النحو الثالث : أنّ اللفظ يحتمل معنيين أو أكثر ، ولكنّ ارتباطه بأحد تلك المعاني يكون أقوى من ارتباطه بالمعاني الأخرى ؛ من قبيل صيغة فعل الأمر ، فهي وإن كان لها معنيان ؛ باعتبار أنّها تدلّ على مطلق الطلب سواء كان بنحو الوجوب أم بنحو الاستحباب ، ولكنّها عرفاً ظاهرة في الأوّل ، والعقلاء أكثر استعمالهم لها فيه ؛ من هنا نقول : إنّ صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب ، ولا نقول : إنّ صيغة الأمر نصٌّ في الوجوب ؛ لأنّها لو كانت كذلك لكان استعمالها في المستحبّ استعمالًا مجازياً ، مع أنّ استعمالها فيه استعمالٌ حقيقيّ .
قال المحقّق الحلي ( رحمه الله ) : عوالنصّ : ما دلّ على المراد منه من غير احتمال ، وفي مقابله المجمل ، وقد يتّفق اللفظ الواحد أن يكون نصّاً مجملًا باعتبارين ، فإنّ قوله تعالى :
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
نصٌّ باعتبار الاعتداد ، مجمل باعتبار ما يعتدُّ به . وأمّا ( الظاهر ) فهو اللفظ الدالّ على أحد محتملاته دلالة راجحة ، ولا ينتفي معها الاحتمال « 1 » .
وقال الشهيد الأوّل ( رحمه الله ) : عثمّ دلالة اللفظ على معناه : إمّا خالية عن الاحتمال وهو النصّ ، مثل :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
، ويقابله المجمل المذكور . وإمّا مع الاحتمال الراجح على المنطوق وهو المؤوّل ، مثل :
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
. وإمّا مع احتمال مرجوح وهو الظاهر « 2 » .
وقد فرّق السيّد محمد سعيد الحكيم ( دام ظلّه ) بين النصّ والظاهر بما نصّه : عثمّ إنّ الفرق بين النصّ والظاهر بعد اشتراكهما في الكشف عن مراد المتكلّم
الجدّي ، هو : القطع بالمراد من النصّ واحتمال خلافه في الظاهر ؛ لاحتمال أحد أمور :
هامش
( 1 ) المعتبر في شرح المختصر ، نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن المحقّق الحلي ، مؤسسة سيّد الشهداء ، قم : ج 1 ، ص 28 .
( 2 ) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة ، الشهيد الأول ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 46 . .