بعبارة أخرى : تارة يكون لحاظ التقييد قبل الإنشاء ، كما إذا أنشأ الوجوب على الحجّ المقيَّد بالاستطاعة ، وأخرى يكون لحاظه بعد الإنشاء ، كما إذا أنشأ وجوب الحج أوّلًا ثم قيّده بالاستطاعة . والتقييد الممتنع هو الثاني ، لا الأول ، لأن التقييد من الخصوصيات المشخَّصة للفرد ، فلا مانع من إنشاء الطلب بتلك الخصوصية .
فمحصّل الجواب : أن الطلب الخاصّ الذي هو مفاد الهيئة لم يقيَّد بشيء بعد إنشائه بالصيغة ، بل هو على حاله عند إنشائه من دون تغيّر وانقلاب .
نعم أُنشئ ذلك مقيَّداً ، أي : أنّ المتكلّم تصوّر الطلب بجميع خصوصياته المقصودة له ، فأنشأه بالهيئة ، ودلت القرينة على الخصوصية من باب تعدّد الدالّ والمدلول ، لا أنه أنشأه مطلقاً ثمّ قيّده ، ولا محذور في هذا التقييد » « 1 » .
وقد أشار الآخوند إلى ما تقدّم بقوله : « أمّا حديث عدم الإطلاق في مفاد الهيئة فقد حقّقناه سابقاً ، أن كلّ واحد من الموضوع له والمستعمل فيه في الحروف يكون عامّاً كوضعها ، وإنما الخصوصية من قبل الاستعمال كالأسماء ، وإنما الفرق بينهما أنها وضعت لتستعمل وقُصد بها معانيها بما هي آلة وحالة لمعاني المتعلّقات ، فلحاظ الآلية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى ، بل من مُشَخّصات الاستعمال ، كما لا يخفى على أولي الدراية والنهى .
فالطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق ، قابل لأن يقيَّد ، مع أنه لو سلِّم أنه فرد ، فإنما يمنع عن التقيد لو أنشئ أوّلًا غير مقيّد ، لا ما إذا أنشئ من الأوّل مقيّداً ، غاية الأمر قد دلّ عليه بدالّين ، وهو غير إنشائه أوّلًا ، ثم تقييده ثانياً ، فافهم » « 2 » .
هامش
( 1 ) منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، مصدر سابق : ج 2 ، شرح ص 200 .
( 2 ) كفاية الأصول ، مصدر سابق : ص 95 - 98 .