وصول التكاليف .
وبهذا يتّضح أنّ ظنون المجتهدين - لو تمّت حجّيتها - فهي لا تتعدّى دور تنجيز الأحكام وإيصالها إلى المكلّفين ، أي إعطاء الأحكام صفة الفعلية والوصول ، لا أنّ الشارع يخلق أحكاماً على وفقها كما يريد أن يقول الغزالي « 1 » .
فكيف كان فهذا النحو من التصويب غير معقول في نفسه ، بداهة أن تصوّره في نفسه كافٍ للتصديق ببطلانه بلا حاجة إلى إقامة برهان عليه من لزوم الدور أو نحوه ، وكيف لا يكون كذلك وهذا النحو من التصويب خلاف الضرورة من الشرع ويكذّبه الكتاب والسنّة ، إذ لازمه بطلان بعث الرسل وإنزال الكتب ، على أنّه لو لم يكن حكم مجعول في الواقع قبل قيام الأمارة عليه ، فالأمارة تحكي عن أيّ شيء ؟ وأنّها تؤدّي إلى أيّ حكم ؟ وهل يعقل الكشف من دون مكشوف والحكاية من دون محكيّ ؟ فلو توقّف ثبوته على قيام الأمارة عليه لزم الدور أو الخلف .
أضف إلى ذلك أنّ اختصاص الأحكام الشرعية بمن قامت عنده الأمارة خلاف الضرورة والمتسالم عليه بين الأصحاب وتكذبه الإطلاقات الأوّلية ، حيث إنّ مقتضاها ثبوت الأحكام الشرعية في الواقع مطلقاً من دون فرق بين العالم والجاهل .
مناقشة التصويب المعتزلي
نسب الغزالي هذا القول إلى الشافعي حيث قال : « أمّا المصوّبة فقد اختلفوا فيه ، فذهب بعضهم إلى إثباته ( أي الحكم المعيّن ) وإليه تشير نصوص
الشافعي ( قدس سره ) ، لأنّه لابدّ للطالب من مطلوب ، وربما عبّروا عنه بأن مطلوب
هامش
( 1 ) الأصول العامة للفقه المقارن ، مصدر سابق : ص 619 .