موضوعُ علمِ الأصولِ ، كما تقدَّمَ في الحلقةِ السابقةِ : « الأدلّةُ المشتركةُ في الاستدلالِ الفقهيِّ » ، والبحثُ الأصوليُّ يدورُ دائماً حولَ دليليّتِها .
وعدمُ تمكُّنِ بعضِ المحقِّقينَ من تصويرِ موضوعِ العلمِ علَى النحوِ الذي ذكرْناهُ ، أدَّى إلَى التشكُّكِ في ضرورةِ أنْ يكونَ لكلِّ علمٍ موضوعٌ ، ووقعَ ذلكَ موضعاً للبحثِ ، فاستُدِلّ على ضرورةِ وجودِ موضوعٍ لكلِّ علمٍ ، بدليلين :
أحدُهما : أنّ التمايزَ بينَ العلومِ بالموضوعاتِ بمعنَى أنَّ استقلالَ علمِ النحوِ عَن علمِ الطبِّ ، إنّما هو باختصاصِ كلٍّ منهما بموضوعٍ كلِّيٍّ يتميّزُ عن موضوعِ الآخر ، فلابدَّ مِن افتراضِ الموضوعِ لكلِّ علم .
وهذا الدليلُ أشبهُ بالمصادرةِ لأنّ كونَ التمايزِ بينَ العلومِ بالموضوعاتِ فرعُ وجودِ موضوعٍ لكلِّ علمٍ ، وإلَّا تعيّنَ أنْ يكونَ التمييزُ قائماً على أساسٍ آخرَ كالغرض .
والآخرُ : أنّ التمايزَ بينَ العلومِ إنْ كانَ بالموضوعِ فلابدَّ مِن موضوعٍ لكلِّ علمٍ إذن ، لكي يحصلَ التمايزُ ، وإنْ كانَ بالغرضِ على أساسِ أنَّ لكلِّ علمٍ غرضاً يختلفُ عنِ الغرضِ مِن العلمِ الآخر ، فحيثُ إنَّ الغرضَ من كلِّ علمٍ واحدٌ ، والواحدُ لا يصدرُ إلّا مِن
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 152
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص١٥٢