ابكى فراقهم عيني وارقها * ان التفرق للاحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم * حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فقال لها : لعنك الله ! اما تعرفين من الغناء شيئا غير هذا ! قالت :
يا سيدي ، ما تغنيت الا بما ظننت انك تحبه ، وما أردت ما تكرهه ، وما هو الا شيء جاءني ثم أخذت في غناء آخر :
اما ورب السكون والحرك * ان المنايا كثيره الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا * دارت نجوم السماء في الفلك
الا لنقل النعيم من ملك * عان بحب الدنيا إلى ملك
وملك ذي العرش دائم ابدا * ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها : قومي غضب الله عليك ! قال : فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة ، وكان محمد يسميه زب رباح ، وكان موضوعا بين يديه ، فقامت الجارية منصرفه فتعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم : والعجب انا لم نجلس مع هذه الجارية قط الا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك - فقال لي :
ويحك يا إبراهيم ! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية ، ثم ما كان من امر القدح ! والله ما أظن امرى الا وقد قرب ، فقلت : يطيل الله عمرك ، ويعز ملكك ، ويديم لك ، ويكبت عدوك فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتا من دجلة : «
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
» ، فقال : يا إبراهيم ، ما سمعت ما سمعت ! قلت : لا والله ، ما سمعت شيئا - وقد كنت سمعت - قال :
تسمع حسا ! قال : فدنوت من الشط فلم أر شيئا ، ثم عاودنا الحديث ، فعاد الصوت : «
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
» ، فوثب من مجلسه ذلك مغتما ، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة ، فما كان بعد هذا الا ليله أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله ، وذلك يوم الأحد لست - أو لأربع - خلون من صفر ، سنه ثمان وتسعين ومائه