بهم ، ففعل ذلك معاوية ، وكان أهل الشام - فيما كتب إلى السرى يذكر ان شعيبا حدثه عن سيف ، عن محمد وطلحه - لما قدم عليهم النعمان بن بشير بقميص عثمان رضي الله عنه - الذي قتل فيه مخضبا بدمه وبأصابع نائله زوجته مقطوعه بالبراجم ، إصبعان منها وشيء من الكف ، وإصبعان مقطوعتان من أصولهما ونصف الابهام - وضع معاوية القميص على المنبر ، وكتب بالخبر إلى الأجناد ، وثاب اليه الناس ، وبكوا سنه وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه ، وآلى الرجال من أهل الشام الا يأتوا النساء ، ولا يمسهم الماء للغسل الا من احتلام ، ولا يناموا على الفرش حتى يقتلوا قتله عثمان ، ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم فمكثوا حول القميص سنه ، والقميص يوضع كل يوم على المنبر ويجلله أحيانا فيلبسه وعلق في اردانه أصابع نائله رضي الله عنها فلما قدم جرير بن عبد الله على على - فيما حدثني عمر بن شبه ، قال :
حدثنا أبو الحسن ، عن عوانه - فأخبره خبر معاوية واجتماع أهل الشام معه على قتاله ، وانهم يبكون على عثمان ، ويقولون : ان عليا قتله ، وآوى قتلته ، وانهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه فقال الأشتر لعلى :
قد كنت نهيتك ان تبعث جريرا ، وأخبرتك بعداوته وغشه ، ولو كنت بعثتني كان خيرا من هذا الذي أقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه الا فتحه ، ولا بابا يخاف منه الا اغلقه فقال جرير : لو كنت ثم لقتلوك ، لقد ذكروا انك من قتله عثمان رضي الله عنه ، فقال الأشتر : لو أتيتهم والله يا جرير لم يعينى جوابهم ، ولحملت معاوية على خطه أعجله فيها عن الفكر ، ولو أطاعني فيك أمير المؤمنين لحبسك واشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستقيم هذه الأمور .
فخرج جرير بن عبد الله إلى قرقيسياء ، وكتب إلى معاوية ، فكتب اليه يأمره بالقدوم عليه وخرج أمير المؤمنين فعسكر بالنخيلة ، وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف ) — صفحة 562
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٥٦٢