المؤلفات في المدح والذم
دعاني إلى الحديث في هذه القضية ما ادعاه الثعالبي في هذين الكتابين من أنه لم يسبق إلى وضعهما ، حيث قال في مفتتح الظرائف واللطائف : « ثم إن الكتاب دلّنى عليه ما استسعدت به من الخدمة واستشعرته من شكر النعمة على ابتداء وضعه وابتداع جمعه واختراع ما لم أسبق إلى مثله ، ولم أشارك في ارتباط شكله » « 1 » .
وقال في افتتاح اليواقيت : « هذا - أطال اللّه بقاء الأمير الأجل - كتاب مترجم باليواقيت في بعض المواقيت في مدح كل شئ وذمه ، ولم أسبق إلى جمعه وابتداع وضعه . . . » « 2 » .
والعجيب أنه لم يسأم من هذا الزعم ، حيث تكرر هذا الادّعاء في كتاب ثالث وهو كتاب : « تحسين القبيح وتقبيح الحسن » ، وهو كتاب - كما ذكرت - في نفس الموضوع حيث يقول : « هذا الكتاب أودعته لمعا من غرر البلغاء ونكت الشعراء في تحسين القبيح وتقبيح الحسن ؛ إذ هما غايتا البراعة والقدرة على جزل الكلام في سر البلاغة ، وما أراني سبقت إلى مثله في طرائف المؤلفات وبدائع المصنفات » « 3 » .
وهذا الزعم فيه تجاوز للحقائق إذ الثابت تاريخيّا وجود مؤلفات في هذا الموضوع قبل الثعالبي ؛ من ذلك ما كتبه الجاحظ وهو كتاب « المحاسن والأضداد » وكتاب « الآمل والمأمول » ، وما كتبه أيضا البيهقي وهو كتاب « المحاسن والمساوئ » .
كذلك حفل كتابا الثعالبي بنماذج من أقوال الجاحظ ونقولاته التي ساقها في مدح أشياء وذمها في نفس الوقت « 4 » .
وأيضا اشتهر ابن أبي الدنيا بالكتابة في هذه الموضوعات فله كتب كثيرة تناولت
هامش
( 1 ) انظر ص 49 .
( 2 ) انظر ص 50 .
( 3 ) تحسين القبيح ص 1 .
( 4 ) انظر على سبيل المثال باب مدح الجواري ص 246 ، وباب ذم الموت ص 378 .