تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
المفضل في رواية أيضا بالغا بالنصب « أمره » بالرفع ، وخرج ذلك على أن بالغا حال من فاعل
جَعَلَ
في قوله تعالى :
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
لا من المبتدأ لأنهم لا يرتضون مجيء الحال منه ، وجملة
قَدْ جَعَلَ
إلخ خبر
إِنَّ
، وجوز أن يكون بالغا هو الخبر على لغة من ينصب الجزأين - بأن - كما في قوله :
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن * خطاك خفافا إن حراسنا أسدا
وتعقب بأنها لغة ضعيفة ، ومعنى
قَدْراً
تقديرا ، والمراد تقديره قبل وجوده ، أو مقدارا من الزمان ، وهذا بيان لوجوب التوكل عليه تعالى وتفويض الأمر إليه عزّ وجل لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق وغيره لا يكون إلا بتقديره تعالى لا يبقى إلا التسليم للقدر ، وفيه على ما قيل : تقرير لما تقدم من تأقيت الطلاق والأمر بإحصاء العدة ، وتمهيد لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من مقاديرها . وقرأ جناح بن حبيش « قدرا » بفتح الدال
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ
أي الحيض ، وقرئ - ييأسن - مضارعا
مِنْ نِسائِكُمْ
لكبرهن ، وقد قدر بعضهم سن اليأس بستين سنة ، وبعضهم بخمس وخمسين ، وقيل : هو غالب سن يأس عشيرة المرأة ، وقيل غالب سن يأس النساء في مكانها التي هي فيه فإن المكان إذا كان طيب الهواء والماء - كبعض الصحاري - يبطئ فيه سن اليأس ، وقيل : أقصى عادة امرأة في العالم ، وهذا القول - بالغ درجة اليأس - من أن يقبل
إِنِ ارْتَبْتُمْ
أي إن شككتم وترددتم في عدتهن ، أو إن جهلتم عدتهن
فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه . وجماعة عن أبي بن كعب أن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا : لقد بقي من عدة النساء عدد لم تذكر في القرآن الصغار والكبار اللاتي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل ، فأنزل اللّه تعالى في سورة النساء القصرى
وَاللَّائِي يَئِسْنَ
الآية ، وفي رواية أن قوما منهم أبي بن كعب وخلاد بن النعمان لما سمعوا قوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
[ البقرة : 228 ] قالوا : يا رسول اللّه فما عدة من لا قرء لها من صغر أو كبر ؟ فنزل
وَاللَّائِي يَئِسْنَ
إلخ ، فقال قائل : فما عدة الحامل ؟ فنزل
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ
إلخ . ويعلم مما ذكر أن الشرط هنا لا مفهوم له عند القائلين بالمفهوم لأنه بيان للواقعة التي نزل فيها من غير قصد للتقييد ، وتقدير متعلق الارتياب ما سمعت هو ما أشار إليه الطبري وغيره ، وقيل :
إِنِ ارْتَبْتُمْ
في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضة فعدتهن إلخ ، وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب بها أولى بذلك ، وقال الزجاج : المعنى
إِنِ ارْتَبْتُمْ
في حيضهن وقد انقطع عنهن الدم وكن ممن يحيض مثلهن ، وقال مجاهد : الآية واردة في المستحاضة أطبق بها الدم لا تدري أهو دم حيض أو دم علة ، وقيل :
إِنِ ارْتَبْتُمْ
أي إن تيقنتم إياسهن ، والارتياب من الأضداد والكل كما ترى . والموصول قالوا : إنه مبتدأ خبره جملة
فَعِدَّتُهُنَّ
إلخ ، و
إِنِ ارْتَبْتُمْ
شرط جوابه محذوف تقديره فاعلموا أنها ثلاثة أشهر ، والشرط وجوابه جمل معترضة ، وجوز كون
فَعِدَّتُهُنَّ
إلخ جواب الشرط باعتبار الاعلام والإخبار كما في قوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] والجملة الشرطية خبر من غير حذف وتقير ، وقوله تعالى :
وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ
مبتدأ خبره محذوف أي واللائي لم يحضن كذلك أو عدتهن ثلاثة أشهر ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وجوز عطف هذا الموصول على الموصول السابق وجعل الخبر لهما من غير تقدير ، والمراد - باللائي لم يحضن - الصغار اللائي لم يبلغن سن الحيض . واستظهر أبو حيان شموله من لم يحضن لصغر ومن لا يكون لهن حيض البتة كبعض النساء يعشن إلى أن يمتن