تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
البخاري والنسائي عن أبي هريرة قال : « سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي الناس أكرم ؟ قال : أكرمهم عند اللّه أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم الناس يوسف نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن خليل اللّه قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟ قالوا : نعم قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا » والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى . وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب حيث أفادت أن شرف النسب غير مكتسب
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
[ النجم : 39 ] وأنه لا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة لاتحاد ما خلقا منه ، ولا من جهة الفاعل لأنه هو اللّه تعالى الواحد ، فليس للنسب شرف يعول عليه ويكون مدارا للثواب عند اللّه عزّ وجل ، ولا أحد أكرم من أحد عنده سبحانه إلا بالتقوى وبها تكمل النفس وتتفاضل الأشخاص ، وهذا لا ينافي كون العرب أشرف من العجم وتفاوت كل من العرب والعجم في الشرف ، فقد ذكروا أن الفرس أشرف من النبط ، وبنو إسرائيل أفضل من القبط . وأخرج مسلم . وغيره عن واثلة بن الأسقع قال : « قال صلّى اللّه عليه وسلّم إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم » لأن ذلك ليس إلا باعتبار الخصال الحميدة ، فشرف العرب على العجم مثلا ليس إلا باعتبار أن اللّه تعالى امتازهم على من سواهم بفضائل جمة وخصال حميدة كما صحت به الأحاديث ، وقد جمع الكثير منها العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه مبلغ الأرب في فضائل العرب ، ولا نعني بذلك أن كل عربي ممتاز على كل عجمي بالخصال الحميدة بل إن المجموع ممتاز على المجموع ، ثم إن أشرف العرب نسبا أولاد فاطمة رضي اللّه تعالى عنها لأنهم ينسبون إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما صرح به جمع من الفقهاء . و أخرج الطبراني عن فاطمة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم » وفي رواية له عن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه « كل ابن أنثى كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم » ونوزع في صحة ذلك ، ورمز الجلال السيوطي للأول بأنه حسن ، وتعقب وليس الأمر موقوفا على ما ذكر لظهور دليله . وقد أخرج أحمد . والحاكم في المستدرك عن المسور بن مخرمة ولا كلام فيه . قال : « قال صلّى اللّه عليه وسلّم فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وإن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري » وحديث بضعية فاطمة رضي اللّه تعالى عنها مخرج في صحيح البخاري أيضا ، قال الشريف السمهودي : ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا غاية الشرف لأولادها ، وعدم انقطاع نسبه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء أيضا في حديث أخرجه ابن عساكر عن عمر رضي اللّه تعالى عنه مرفوعا بلفظ « كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة الا نسبي وصهري » والذهبي وإن تعقبه بقوله فيه ابن وكيع لا يعتمد لكن استدرك ذلك بأنه ورد فيه مرسل حسن ، ويعلم مما ذكر ونحوه . كما قال المناوي . عظيم نفع الانتساب إليه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يعارضه ما في أخبار أخر من حثه عليه الصلاة والسلام لأهل بيته على خشية اللّه تعالى واتقائه سبحانه وأنه عليه الصلاة والسلام لا يغني عنهم من اللّه تعالى شيئا حرصا على إرشادهم وتحذيرا لهم من أن يتكلوا على النسب فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من المتقين ، وليجتمع لهم الشرفان شرف التقوى وشرف النسب ، ورعاية لمقام التخويف خاطبهم عليه الصلاة والسلام بقوله : « لا أغني عنكم من اللّه شيئا » والمراد لا أغني عنكم شيئا بمجرد نفسي من غير ما يكرمني اللّه تعالى به من نحو شفاعة فيكم ومغفرة منه تعالى لكم ، وهو عليه الصلاة والسلام لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا إلا بتمليك اللّه تعالى ، واللّه سبحانه يملكه نفع أمته والأقربون أولى بالمعروف . فعلى هذا لا بأس بقوله الرجل : أنا من ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على وجه التحدث بالنعمة أو نحو ذلك من المقاصد الشرعية . وقد نقل المناوي عن ابن حجر أنه قال نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن التفاخر بالأنساب موضعه مفاخرة تقتضي تكبرا