تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
صلوات اللّه تعالى وسلامه وعليهم أجمعين ، وفيه نظر . واختار الطيبي طيب اللّه تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] وظاهر سياق ما بعد أن المعنى بالأمر بالتقوى هو النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها ، وقيل : الازدياد منها فإن لها بابا واسعا وعرضا عريضا لا ينال مداه
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
أي المجاهدين بالكفر
وَالْمُنافِقِينَ
المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل ؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة ، وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم « 1 » وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت ، وذكر الثعلبي والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبا الأعور « 2 » السلمي قدموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد اللّه بن أبي ، ومعتب بن قشير ، والجد بن قيس فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا وقل : إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت ، وقيل : نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا : لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة ، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به ، وقيل : من قبيل التأكيد ، وقيل : متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روى الواحدي ، والثعلبي ، والمعنى اتق اللّه تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك : إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى اللّه تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهي عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلا فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
مبالغا في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلّا بما فيه مصلحة ولا ينهاك إلّا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلّا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها . وقيل : المعنى أن اللّه كان عليما بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيما في هدي من شاء وإضلال من شاء فالجملة تسلية له صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ، وليس بشيء ، وقوله تعالى :
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
عطف على ما تقدم من قبيل عطف العام على الخاص أي اتبع في كل ما تأتي وتذر من أمور الدين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى اللّه تعالى الناهية عن إطاعة الكفرة والمنافقين ، والتعرض لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
قيل : الخطاب للرسول صلّى اللّه تعالى عليه وسلم والجمع للتعظيم ، وقال أبو البقاء : إنما جاء بالجمع لأنه عنى بقوله تعالى :
اتَّبِعْ ما يُوحى
إلخ اتبع أنت وأصحابك ؛ وقيل : للغائبين من الكفرة المنافقين وبطريق الالتفات ؛ ولا يخفى بعده . نعم يجوز أن يكون للكل على ضرب من التغليب ، وأيا ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه فكأنه قيل على الأول : إن اللّه تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه
هامش
( 1 ) وفي رواية ويزوجه شيبة بنته ا ه منه . ( 2 ) اسمه عمرو بن أبي سفيان ا ه منه .