تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن معنى الآية نهلك كل شيء كما كان أول مرة ويحتاج ذلك إلى تدبر فتدبر .
وَعْداً
مصدر منصوب بفعله المحذوف تأكيدا له ، والجملة مؤكدة لما قبلها أو منصوب بنعيد لأنه عدة بالإعادة وإلى هذا ذهب الزجاج ، واستجود الأول الطبرسي بأن القراء يقفون على
نُعِيدُهُ
عَلَيْنا
في موضع الصفة لوعدا أي وعدا لازما علينا ، والمراد لزم إنجازه من غير حاجة إلى تكلف الاستخدام
إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
ذلك بالفعل لا محالة ، والأفعال المستقبلة التي علم اللّه تعالى وقوعها كالماضية في التحقق ولذا عبر عن المستقبل بالماضي في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز أو قادرين على أن نغفل ذلك واختاره الزمخشري ، وقيل عليه : إنه خلاف الظاهر
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ
الظاهر أنه زبور داود عليه السلام وروي ذلك عن الشعبي . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه الكتب ، والذكر في قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
التوراة . وروي تفسيره بذلك عن الضحاك أيضا . وقال في الزبور : الكتب من بعد التوراة . وأخرج عن ابن جبير أن الذكر التوراة والزبور القرآن . وأخرج عن ابن زيد أن الزبور الكتب التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام والذكر أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك وهو اللوح المحفوظ كما في بعض الآثار ، واختار تفسيره بذلك الزجاج وإطلاق الذكر عليه مجاز . وقد وقع في حديث البخاري عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « كان اللّه تعالى ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء ثم خلق اللّه السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء » وقيل : الذكر العلم وهو المراد بأم الكتاب ، وأصل الزبور كل كتاب غليظ الكتابة من زبرت الكتاب أزبر بفتح الموحدة وضمها كما في المحكم إذا كتبته كتابة غليظة وخص في المشهور بالكتاب المنزل على داود عليه السلام ، وقال بعضهم : هو اسم للكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية ولهذا يقال للمنزل على داود عليه السلام إذ لا يتضمن شيئا من الأحكام الشرعية . والظاهر أنه اسم عربي بمعنى المزبور ، ولذا جوز تعلق
مِنْ بَعْدِ
به كما جوز تعلقه بكتبنا ، وقال حمزة : هو اسم سرياني ، وأيا ما كان فإذا أريد منه الكتب كان اللام فيه للجنس أي كتبنا في جنس الزبور .
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن ابن عباس أن المراد بالأرض أرض الجنة ؛ قال الإمام : ويؤيده قوله تعالى :
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
[ الزمر : 74 ] وإنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع وأن الآية ذكرت عقيب ذكر الإعادة وليس بعد الإعادة أرض يستقر بها الصالحون ويمتن بها عليهم سوى أرض الجنة ، وروي هذا القول عن مجاهد وابن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن المراد بها ارض الدنيا يرثها المؤمنون ويستولون عليها وهو قول الكلبي وأيد بقوله تعالى :
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
[ النور : 55 ] . و أخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها » وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله واستيلائهم على أكثر المعمورة التي يكثر تردد المسافرين إليها وإلا فمن الأرض ما لم يطأها المؤمنون كالأرض الشهيرة بالدنيا الجديدة وبالهند الغربي ، وإن قلنا بأن جميع ذلك يكون في حوزة المؤمنين أيام المهدي رضي اللّه تعالى عنه ونزول عيسى عليه السلام فلا حاجة إلى ما ذكر ، وقيل : المراد بها الأرض المقدسة ، وقيل : الشام ولعل بقاء الكفار وحدهم في الأرض جميعها في آخر الزمان كما صحت به الأخبار لا يضر في هذه الوراثة لما أن بين استقلالهم في الأرض