شيء ؟ قال : نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء اللّه تعالى عليّ في القرآن بقوله سبحانه :
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
[ التكوير : 20 ]
وإذا صح هذا الحديث لزم القول بشمول العالمين للملائكة عليهم السلام إلا أن الجلال السيوطي ذكر في تزيين الأرائك أنه لم يوقف له على إسناد ، وقيل المراد بالعالمين جميع الخلق فإن العالم ما سوى اللّه تعالى وصفاته جل شأنه ، وجمع جمع العقلاء تغليبا للأشرف على غيره .
وكونه صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة للجميع باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام واسطة الفيض الإلهي على الممكنات على حسب القوابل ، ولذا كان نوره صلّى اللّه عليه وسلّم أول المخلوقات ،
ففي الخبر أول ما خلق اللّه تعالى نور نبيك يا جابر
،
وجاء « اللّه تعالى المعطي وأنا القاسم »
وللصوفية قدست أسرارهم في هذا الفصل كلام فوق ذلك ، وفي مفتاح السعادة لابن القيم أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشة ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارية التي يعدو بعضها على بعض ، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه ، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة ا ه ؛ وإذا سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلّى اللّه عليه وسلّم أكمل النبيين وما جاء به أجل مما جاءوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة للعالمين أيضا لكن لا يخلو ذلك عن بحث .
وزعم بعضهم أن العالمين هنا خاص بالمؤمنين وليس بشيء ، ولواحد من الفضلاء كلام طويل في هذه الآية الكريمة نقض فيه وأبرم ومنع وسلم ولا أرى منشأ سوى قلة الاطلاع على الحق الحقيق بالاتباع ، وأنت متى أخذت العناية بيدك بعد الاطلاع عليه سهل عليك رده ولم يهولك هزله وجده ، والذي أختاره أنه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما بعث رحمة لكل فرد فرد من العالمين ملائكتهم وإنسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الانس والجن في ذلك ، والرحمة متفاوتة ولبعض من العالمين المعلى والرقيب منها ، وما يرى أنه ليس من الرحمة فهو إما منها في النظر الدقيق أوليس مقصودا بالقصد الأولى كسائر الشرور الواقعة في العالم بناء على ما حقق في محله أن الشر ليس داخلا في قضاء اللّه تعالى بالذات ، ومما هو ظاهر في عموم العالمين الكفار ما
أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول اللّه ادع على المشركين قال : « إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة »
ولعله يؤيد نصب
رَحْمَةً
في الآية على الحال
كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم الذي أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة « إنما أنا رحمة مهداة »
ولا يشين احتمال التعليل ما ذهب إليه الأشاعرة من عدم تعليل أفعاله عزّ وجل فإن الماتريدية وكذا الحنابلة ذهبوا إلى خلافه وردوه بما لا مزيد عليه ، على أنه لا مانع من أن يقال فيه كما قيل في سائر ما ظاهره التعليل ووجود المانع هنا توهم محض فتدبر ؛ ثم لا يخفى أن تعلق
لِلْعالَمِينَ
برحمة هو الظاهر .
وقال ابن عطية : يحتمل أن يتعلق بأرسلناك ، وفي البحر لا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد إلا بالفعل قبلها إلا إن كان العامل مفرغا له نحو ما مررت إلا بزيد .
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
ذهب جماعة إلى أن في الآية حصرين بناء على أن أنما المفتوحة تفيد ذلك كالمكسورة ، والأول لقصر الصفة على الموصوف والثاني لقصر الموصوف على الصفة فالثاني قصر فيه اللّه تعالى على الوحدانية والأول قصر فيه الوحي على الوحدانية ، والمعنى ما يوحى إليّ إلا اختصاص اللّه تعالى بالوحدانية .