تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
التثنية تأبى ذلك ، وإن اعتبر ذلك أولا وآخرا ولم يترك احتيج إلى مؤن لا تخفى على المتأمل فتأمل وتدبر ، وهي على القراءتين الشاذتين حال من فاعل الفعل المستتر أي لا تعد أو لا تعد عينيك عنهم مريدا ذلك
وَلا تُطِعْ
في تنحية الفقراء عن مجلسك
مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ
أي جعلنا قلبه غافلا
عَنْ ذِكْرِنا
لبطلان استعداده للذكر بالمرة كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراء فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه أولئك الفقراء من الدعاء في الغداة والعشي ، وفيه تنبيه على أن الباعث لهم إلى استدعاء الطرد غفلة قلوبهم عن جناب اللّه تعالى شأنه وملاحظة المعقولات وانهماكه « 1 » في الحسيات حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد . ومعنى الذكر ظاهر وفسره المفضل بالقرآن . والآية ظاهرة في مذهب أهل السنة ، وأولها المعتزلة فقيل المراد أغفلنا قلبه بالخذلان وهذا هو التأويل المشهور عندهم في أمثال ذلك وحاله معلوم عندك ، وقيل : المراد صادفناه غافلا كما في قولهم : سألناكم فما أفحمناكم وقاتلناكم فما أجبناكم . وتعقب بأنه لا ينبغي أن يتجرأ على تفسير فعل أسنده اللّه تعالى إليه بالمصادفة التي تفهم وجدان الشيء بغتة عن جهل سابق وعدم علم ، وقيل : المراد نسبناه إلى الغفلة كما في قول الكميت :
وطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا مسيء ومذنب
وهو كما ترى ، وقال الرماني : « 2 » المراد لم نسم قلبه بالذكر ولم نجعله من القلوب التي كتبنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين من قولهم : أغفل فلان أبله إذا تركها غفلا من غير سمة وعلامة بكى ونحوه ، ومنه إغفال الخط لعدم إعجامه فالإغفال المذكور استعارة لجعل ذكر اللّه تعالى الدال على الإيمان به كالسمة لأنه علامة للسعادة كما جعل ثبوت الإيمان في القلب بمنزلة الكتابة ، وهو تأويل رقيق الحاشية لطيف المعنى وإن كان خلاف الظاهر فهو مما لا بأس به لمن لم يكن غرضه منه الهرب من مذهب أهل السنة ، واحتج بعضهم على أنه ليس المراد ظاهر الآية بقوله سبحانه :
وَاتَّبَعَ هَواهُ
في طلب الشهوات حيث أسند اتباع الهوى إلى العبد فيدل على أنه فعله لا فعل اللّه تعالى ولو كان ذلك فعل اللّه سبحانه والإسناد مجازي لقيل فاتبع بالفاء السببية لتفرعه عليه . وأجيب بأن فعل العبد لكونه بكسبه وقدرته ، وخلق اللّه تعالى يجوز إسناده إليه بالاعتبار الأول وإلى اللّه تعالى بالثاني ، والتنصيص على التفريع ليس بلازم فقد يترك لنكتة كالقصد إلى الإخبار به استقلالا لأنه أدخل في الذم وتفويضا إلى السامع في فهمه ولا حاجة إلى تقدير فقيل واتبع هواه . وقرأ عمر بن فائد وموسى الأسواري وعمرو بن عبيد « أغفلنا » بفتح الفاء واللام « قلبه » بالرفع على أنه فاعل أغفلنا ، وهو على هذه القراءة من أغفله إذا وجده غافلا ، والمراد ظننا وحسبنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة بجعل ذكر اللّه تعالى له كناية عن مجازاته سبحانه ، واستشكل النهي عن إطاعة أولئك الغافلين في طرد أولئك المؤمنين بأنه ورد أنهم أرادوا طردهم ليؤمنوا فكان ينبغي تحصيل إيمانهم بذلك ، وغاية ما يلزم ترتب نفع كثير وهو إيمان أولئك الكفرة على ضرر قليل وهو سقوط حرمة أولئك البررة وفي عدم طردهم لزم ترتب ضرر عظيم وهو بقاء أولئك الكفرة على كفرهم على نفع قليل .
هامش
( 1 ) قوله وانهماكه إلى قوله حتى خفي عليه كذا بإفراد الضمير في خط المؤلف وفي أبي السعود ضمير انهماكه راجع إلى قوله الباعث له فغير المصنف له بلهم فحصل ما حصل . ( 2 ) وقد كان معتزليا فليحفظ اه منه .