التقييد بأن شاء اللّه تعالى لغوي لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يبعث لإفادة المدلولات اللغوية بل لتبليغ الأحكام الشرعية فتذكر .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ
تعالى أي مشيئة ربك فالكلام على حذف مضاف ، وذكر مشيئة تعالى على ما يدل عليه ما قبل أن يقال إن شاء اللّه تعالى ، وقد قال ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزلت
إِذا نَسِيتَ
أي إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته فإنه ما دام ناسيا لا يؤمر بالذكر وهو أمر بالتدارك عند التذكر سواء قصر الفصل أم طال . وقد أخرج ابن جرير والطبراني وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ويقرأ الآية ، وروي ذلك عن أئمة أهل البيت رضي اللّه تعالى عنهم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه الرحمة ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني قال : له ثنياه إلى شهر ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء أنه قال : من حلف على يمين فإن الثنيا حلب ناقة قال : وكان طاوس يقول ما دام في مجلسه ، وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن إبراهيم قال : يستثني ما دام في كلامه ، وعامة الفقهاء على اشتراط اتصال الاستثناء في عدم الحنث ولو صح جواز الفصل وعدم تأثيره في الأحكام لا سيما إلى الغاية المروية عن ابن عباس لما تقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب .
ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رضي اللّه تعالى عنه خالف ابن عباس في هذه المسألة فاستحضره لينكر عليه فقال له أبو حنيفة : هذا يرجع إليك أنك تأخذ البيعة بالأيمان أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك فاستحسن كلامه .
ومن غريب ما يحكى أن رجلا من علماء المغرب أحب أن يرى علماء بغداد ويتحقق مبلغ علمهم فشد الرحل للاجتماع معهم فدخل بغداد من باب الكرخ فصادف رجلين يمشيان أمامه يبيعان البقل في أطباق على رءوسهما فسمع أحدهما يقول لصاحبه : يا فلان إني لأعجب من ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كيف جوز فصل الاستثناء ، وقال بعدم تأثيره في الأحكام ولو كان الأمر كما يقول لأمر اللّه تعالى نبيه أيوب عليه السلام بالاستثناء لئلا يحنث فإنه أقل مئونة مما أرشده سبحانه إليه بقوله تعالى :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ
[ ص : 44 ] وليس بين حلفه وأمره بما ذكره أكثر من سنة فرجع ذلك الرجل إلى بلده واكتفى بما سمع ورأى فسئل كيف وجدت علماء بغداد ؟ فقال :
رأيت من يبيع البقل على رأسه في الطرقات من أهلها بلغ مبلغا من العلم يعترض به على ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما فما ظنك بأهل المدارس المنقطعين لخدمة العلم والإنصاف أن هذا الاعتراض على علامة يستكثر ممن يبيع البقل واللّه تعالى أعلم بصحة النقل ، لا يقال : إن ظاهر الآية على ما سمعت يطابق ما ذهب إليه الحبر وإلا لم يكن للتدارك معنى وكذا ما جاء في الخبر لما قالوا : إن التدارك فيما يرجع إلى تفويض العبد يحصل بذكره بعد التنبه أما في التأثير في الحكم حتى يخرجه عن الجزم فليست الآية مسوقة له ولا دالة عليه بوجه .
وقال بعضهم : إن ذلك من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم فله عليه الصلاة والسلام أن يستثني ولو بعد حين بخلاف غيره .
فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني في الكبير بسند متصل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال في الآية : إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت ثم قال : هي خاصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة يمين ، وقيل ليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك من القول السابق بل من مقدر مدلول به عليه والتقدير في الآية كلما نسيت ذكر اللّه تعالى اذكره حين التذكر إن شاء اللّه تعالى ،
وفي الحديث لا أنسى المشيئة بعد اليوم ولا