مشيئة اللّه تعالى الفعل وهو غير سديد أو يعتبر تعلقها بعدمه فيكون المعنى إني فاعل في كل حال أو في كل وقت إلا في حال أو وقت مشيئة اللّه مشيئة اللّه تعالى عدم الفعل ، ولا شبهة في عدم مناسبته للنهي بل هو أمر مطلوب .
وقال الخفاجي : إذا كان الاستثناء متعلقا بأني فاعل والمشيئة متعلقة بالعدم صار المعنى إني فاعل في كل حال إلا إذا شاء اللّه تعالى عدم فعلي وهذا لا يصح النهي عنه ، أما على مذهب أهل السنة فظاهر ، وأما على مذهب المعتزلة فلأنهم لا يشكون في أن مشيئة اللّه تعالى لعدم فعل العبد الاختياري إذا عرضت دونه بإيجاد ما يعوق عنه من الموت ونحوه منعت عنه وإن لم تتعلق عندهم بإيجاده وإعدامه ، وكذا لا يصح النهي إذا كانت المشيئة متعلقة بالفعل في المذهبين ، فما قيل : إن تعلق الاستثناء بما ذكر صحيح والمعنى عليه النهي عن أن يذهب مذهب الاعتزال في خلق الأعمال فيضيفها لنفسه قائلا إن لم تقترن مشيئة اللّه تعالى بالفعل فأنا فاعله استقلالا فإن اقترنت فلا يخفى ما فيه على نبيه فتأمل . وقد شاع الاعتراض على المعتزلة في زعمهم أن المعاصي واقعة من غير إرادة اللّه تعالى ومشيئته وأنه تعالى لا يشاء إلا الطاعات بأنه لو كان كذلك لوجب فيما إذا قال : الذي عليه دين لغيره قد طالبه به واللّه لأعطينك حقك غدا إن شاء اللّه تعالى أن يكون حانثا إذا لم يفعل لأن اللّه تعالى قد شاء ذلك لكونه طاعة وإن لم يقع فتلزمه الكفارة عن يمينه ولم ينفعه الاستثناء كما لو قال : واللّه لأعطينك إن قام زيد فقام ولم يفعل ، وفي التزام الحنث في ذلك خروج عن الإجماع . وقد أجاب عنه المرتضى بأن للاستثناء الداخل في الكلام وجوها مختلفة فقد يدخل في الأيمان والطلاق والعتاق وسائر العقود وما يجري مجراها من الأخبار وهذا يقتضي التوقف عن إمضاء الكلام والمنع من لزوم ما يلزم به ويصير له الكلام كأنه لا حكم له ، ويصح في هذا الوجه الاستثناء في الماضي فيقال : قد دخلت الدار إن شاء اللّه تعالى ليخرج بذلك من أن يكون خبرا قاطعا أو يلزم به حكم ، ولا يصح في المعاصي لأن فيه إظهار الانقطاع إلى اللّه تعالى والمعاصي لا يصلح ذلك فيها قال : وهذا الوجه أحد محتملات الآية ، وقد يدخل في الكلام ويراد به التسهيل والاقدار والتخلية والبقاء على ما هو عليه من الأحوال وهذا هو المراد إذا دخل في المباحات وهو ممكن في الآية ، وقد يدخل لمجرد غرض الانقطاع إلى اللّه تعالى ويكون على هذا غير معتد به في كون الكلام صادقا أو كاذبا وهو أيضا ممكن في الآية ، وقد يدخل ويراد به اللطف والتسهيل وهذا يختص بالطاعات ولا يصح أن تحمل الآية عليه لأنها تتناول كل ما لم يكن قبيحا .
وقول المديون السابق إن قصد به هذا المعنى لا يلزم منه الحنث إذا لم يفعل ، ويدين المديون . وغيره إن ادعى قصد ما لا يلزمه فيه شيء فلا ورود لما اعترضوا به ، والإنصاف أن الاعتراض ليس بشيء والرد عليهم غني عن مثل ذلك ، هذا ثم اعلم أن إطلاق الاستثناء على التقييد بأن شاء اللّه تعالى بل على التقييد بالشرط مطلقا ثابت في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في شرح الكتاب .
وقال الراغب : الاستثناء دفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً
[ الأنعام : 145 ] إلخ أو دفع ما يوجبه اللفظ كقوله : امرأته طالق إن شاء اللّه تعالى انتهى .
و
في الحديث « من حلف على شيء فقال : إن شاء اللّه تعالى فقد استثنى »
فما قيل : إن كلمة إن شاء اللّه تعالى تسمى استثناء لأنه عبر عنها هنا بقوله سبحانه :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ليس بسديد فكذا ما قيل : إنها أشبهت الاستثناء في التخصيص فأطلق عليها اسمه كذا قال الخفاجي ، ولا يخفى أن في الحديث نوع إباء لدعوى أن إطلاق الاستثناء على