أين معاوية من عليّ ، وأين أهل الشام من المهاجرين والأنصار ، ثم انظروا لأنفسكم فلا يكون أحد أنظر لها منها . ثم سكت وسكت معاوية فلم ينطق وقال : أبلعني ريقي يا جرير . فأمسك ( جرير ) فكتب ( معاوية ) من ليلته إلى عمرو بن العاص - وهو على ليال منه - في المصير إليه - وصرف جريرا بغير إرادته ( كذا ) - وكان كتابه إلى عمرو :
أما بعد فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ، ما قد بلغك ، وقد سقط إلينا مروان في جماعة من أهل البصرة ممن رفض عليا وأمره ، وقدم عليّ جرير بن عبد الله في بيعة علي ، وحبست ( ظ ) نفسي عليك حتى تأتيني ، فاقدم عليّ على بركة الله وتوفيقه .
فلما أتاه الكتاب دعا ابنيه عبد الله ومحمدا فاستشارهما ، فقال له عبد الله : أيها الشيخ إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قبض وهو عنك راض ومات أبو بكر وعمر ، وهما عنك راضيان ، فإياك أن تفسد دينك بدنيا يسيرة
تصيبها من معاوية ، فتكبّ كبّا في النار .
ثم قال ( عمرو ) لمحمد : ما ترى ؟ فقال : بادر هذا الأمر تكن فيه رأسا قبل أن تكون ذنبا . فروّى ( عمرو ) في ذلك :
رأيت ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التي فيها انتياب البواثق
أتاه جرير من علي بخطة * أمرّت عليه العيش مع كل ذائق
فوالله ما أدري إلى أيّ جانب * أميل ومهما قادني فهو سائقي
أأخدعه والخدع فيه دناءة * ( ظ ) أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق
وقد قال عبد الله قولا تعلقت * به النفس إن لم تعتلقني غلائقي
وخالفه فيه أخوه محمد * وإني لصلب العود عند الحقائق
فلما سمع عبد الله بن عمرو هذا الشعر ، قال : بال الشيخ على عقيبه وباع
أنساب الأشراف — صفحة 285
مساهمون: أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )
ص٢٨٥