تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
وقد فهم بعضهم كون المراد تبليغ الأحكام وما يتعلق بها من المصالح دون ما يشمل علم الأسرار من قوله سبحانه :
مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
دون ما تعرفنا به إليك ، وذكر أن علم الأسرار لم يكن منزلا بالوحي بل بطريق الإلهام والمكاشفة ، وقيل : يفهم ذلك من لفظ الرسالة ، فإن الرسالة ما يرسل إلى الغير ، وقد أطال بعض الصوفية قدس اللّه تعالى أسرارهم الكلام في هذا المقام ، والتحقيق عندي أن جميع ما عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الأسرار الإلهية وغيرها من الأحكام الشرعية قد اشتمل عليه القرآن المنزل . فقد قال سبحانه :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
[ النحل : 89 ] وقال تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه الترمذي وغيره : « ستكون فتن ، قيل : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب اللّه تعالى فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما فيكم » ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : أنزل في هذا القرآن كل علم وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن ، وقال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه : جميع ما حكم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهو مما فهمه من القرآن ، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لا أحل إلا ما أحل اللّه تعالى في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم اللّه تعالى في كتابه » ، وقال المرسي : جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم به ، ثم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خلا ما استأثر به سبحانه ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم وأعلامهم مثل الخلفاء الأربعة ومثل ابن مسعود وابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه تعالى ، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان ، ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه ، فنوّعوا علومه ، وقامت كل طائفة بفن من فنونه . وقال بعضهم : ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه اللّه تعالى حتى أن البعض استنبط عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثا وستين سنة من قوله سبحانه في سورة المنافقين :
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها
[ المنافقون : 11 ] فإنها رأس ثلاث وستين سورة ، وعقبها - بالتغابن - ليظهر التغابن في فقده بنفس ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا مما لا يكاد ينتطح فيه كبشان ، فإذا ثبت أن جميع ذلك في القرآن كان تبليغ القرآن تبليغا له ، غاية ما في الباب أن التوقيف على تفصيل ذلك سرا سرا وحكما حكما لم يثبت بصريح العبارة لكل أحد ، وكم من سر وحكم نبهت عليهما الإشارة ولم تبينهما العبارة ، ومن زعم أن هناك أسرارا خارجة عن كتاب اللّه تعالى تلقاها الصوفية من ربهم بأي وجه كان ، فقد أعظم الفرية وجاء بالضلال ابن السبهلل بلا مرية . وقول بعضهم : أخذتم علمكم ميتا عن ميت ونحن أخذناه عن الحي الذي لا يموت ، لا يدل على ذلك الزعم لجواز أن يكون ذلك الأخذ من القرآن بواسطة فهم قدسي أعطاه اللّه تعالى لذلك الآخذ ، ويؤيد هذا ما صح عن أبي جحيفة ، قال : قلت لعلي كرم اللّه تعالى وجهه : هل عندكم كتاب خصكم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : لا إلا كتاب اللّه تعالى أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة - وكانت متعلقة بقبضة سيفه - قال : قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر . ويفهم منه - كما قال القسطلاني - جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولا عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة ، وما عند الصوفية - على ما أقول - كله من هذا القبيل إلا أن بعض كلماتهم مخالف ظاهرها لما جاءت به الشريعة الغراء ، لكنها مبنية على اصطلاحات فيما بينهم إذا علم المراد منها يرتفع الغبار ، وكونهم ملامين على تلك الاصطلاحات لقول علي كرم اللّه تعالى وجهه كما في صحيح البخاري - حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون