تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
أي ضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم - قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه - . وقال الزجاج :
فِيها هُدىً
أي بيان للحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
وَنُورٌ
أي بيان أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام حق ، ولعل تعميم المهدي إليه كما في كلام ابن عباس أولى ، ويندرج فيه اندراجا أوليا ما ذكره الزجاج من الحكم ، وإطلاق النور على ما في التوراة مجاز ، ولعل إطلاقه على ذلك دون إطلاقه على القرآن بناء على أن النور مقول بالتشكيك ، وقد يقال : إن إطلاقه على ما به بيان أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - بناء على ما قال الزجاج - باعتبار كون الأمر المبين متعلقا بأول الأنوار الذي لولاه ما خلق الفلك الدوار صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحينئذ يكون الفرق بين الإطلاقين مثل الصبح ظاهرا ، والظرف خبر مقدم ، و
هُدىً
مبتدأ ، والجملة حال من
التَّوْراةَ
أي كائنا فيها ذلك ، وكذا جملة
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
في قول إلا أنها حال مقدرة ، والأكثرون على أنها مستأنفة مبينة لرفعة رتبة التوراة وسمو طبقتها ، والمراد من النبيين من كان منهم من لدن موسى إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام على ما رواه ابن أبي حاتم عن مقاتل ، وكان بين النبيين عليهما السلام ألف نبي . وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن المراد بهم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ومن قبله من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ، وعلى هذا بني الاستدلال بالآية من قال : إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ ، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة ، والمراد يحكم بأحكامها النبيون
الَّذِينَ أَسْلَمُوا
صفة أجريت على النبيين - كما قيل - على سبيل المدح ، والظاهر لهم ، ونظر فيه ابن المنير بأن المدح إنما يكون غالبا بالصفات الخاصة التي يتميز بها الممدوح عمن دونه ، والإسلام أمر عام يتناول أمم الأنبياء ومتبعيهم كما يتناولهم ، ألا ترى أنه لا يحسن في مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقتصر على كونه رجلا مسلما ؛ فإن أقل متبعيه كذلك ، ثم قال : فالوجه - واللّه تعالى أعلم - أن الصفة قد تذكر لتعظم في نفسها ، ولينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر ، كما تذكر تنويها بقدر موصوفها ، وعلى هذا الأسلوب جرى وصف الأنبياء عليهم السلام بالصلاح في غير ما آية تنويها بمقدار الصلاح إذ جعل صفة للأنبياء عليهم السلام ، وبعثا لآحاد الناس على الدأب في تحصيل صفته ، وكذلك قيل في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ غافر : 7 ] ، فأخبر سبحانه عن الملائكة المقربين بالإيمان تعظيما لقدره ، وبعثا للبشر على الدخول فيه ليساووا الملائكة المقربين في هذه الصفة ، وإلا فمن المعلوم أن الملائكة مؤمنون ليس إلا ، كيف لا ؟ ! وهم - عند ربهم - كما في الخبر ، ثم قال جل وعلا :
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
يعني من البشر لثبوت حق الأخوة في الإيمان بين القبيلتين ، فلذلك - واللّه تعالى أعلم - جرى وصف الأنبياء في هذه الآية بالإسلام تنويها به ، ولقد أحسن القائل : أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف ، وحسان الناظم في مدحه عليه الصلاة والسلام بقوله :
ما إن مدحت محمدا بمقالتي * لكن مدحت مقالتي بمحمد
والإسلام - وإن كان من أشرف الأوصاف ، إذ حاصله معرفة اللّه تعالى بما يجب له ويستحيل عليه ويجوز في حكمه - إلا أن النبوة أشرف وأجل لاشتمالها على عموم الإسلام مع خواص المواهب التي لا تسعها العبارة ؛ فلو لم نذهب إلى الفائدة المذكورة في ذكر الإسلام بعد النبوة لخرجنا عن قانون البلاغة المألوف في الكتاب العزيز وفي كلام العرب الفصيح ، وهو الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول على العكس ، ألا ترى أن أبا الطيب كيف تزحزح عن هذا المهيع في قوله :
شمس ضحاها هلال ليلتها * در مقاصيرها زبرجدها
فنزل عن الشمس إلى الهلال ، وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صنعته ؟ فعلينا
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 311 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية