تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
إهلاكه كما روي عن السدي والضحاك ، أو خزيه وفضيحته بإظهار ما ينطوي عليه كما نقل عن الزجاج ، أو اختياره بما يبتليه به من القيام بحدوده فيدفع ذلك ويحرفه - كما قيل - وليس بشيء ، والمراد العموم ويندرج فيه المذكورون اندراجا أوليا ، وعدم التصريح بكونهم كذلك للإشعار بظهوره واستغنائه عن الذكر
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ
فلن تستطيع له
مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
في دفع تلك الفتنة ، والفاء جوابية ، و
مِنَ اللَّهِ
متعلق - بتملك - أو بمحذوف وقع حالا من
شَيْئاً
لأنه صفته في الأصل أي شيئا كائنا من لطف اللّه تعالى ، أو بدل اللّه عز اسمه ، و
شَيْئاً
مفعول به - لتملك - وجوز بعض المعربين أن يكون مفعولا مطلقا . والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها ، أو مبينة لعدم انفكاك أولئك عن القبائح المذكورة أبدا
أُولئِكَ
أي المذكورون من المنافقين واليهود ، وما في اسم الإشارة من معنى البعد لما مرت الإشارة إليه مرارا ، وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه :
الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
من رجس الكفر وخبث الضلالة ، والجملة استئنافية مبينة لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم المقتضي لها لا واقعة منه سبحانه ابتداء ، وفيها - كالتي قبلها على أحد التفاسير - دليل على فساد قول المعتزلة : إن الشرور ليست بإرادة اللّه تعالى وإنما هي من العباد ، وقول بعضهم : إن المراد لم يرد تطهير قلوبهم من الغموم بالذم والاستخفاف والعقاب ، أو لم يرد أن يطهرها من الكفر بالحكم عليها بأنها بريئة منه ممدوحة بالإيمان - كما قال البلخي - لا يقدم عليه من له أدنى ذوق بأساليب الكلام . ومن العجيب أن الزمخشري لما رأى ما ذكر خلاف مذهبه قال : معنى - من يرد اللّه فتنته - من يرد تركه مفتونا وخذلانه
فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
فلن تستطيع له من لطف اللّه تعالى وتوفيقه شيئا ، ومعنى
لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
لم يرد أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أن ذلك لا ينجع فيهم ولا ينفع انتهى . وقد تعقبه ابن المنير بقوله : كم يتلجلج والحق أبلج ، هذه الآية كما تراها منطبقة على عقيدة أهل السنة في أن اللّه تعالى أراد الفتنة من المفتونين ولم يرد أن يطهر قلوبهم من دنس الفتنة ووضر الكفر ، لا كما تزعم المعتزلة من أن اللّه تعالى ما أراد الفتنة من أحد ، وأراد من كل أحد الإيمان وطهارة القلب ، وأن الواقع من الفتن على خلاف إرادته سبحانه وأن غير الواقع من طهارة قلوب الكفار مراد ولكن لم يقع ، فحسبهم هذه الآية وأمثالها لو أراد اللّه تعالى أن يطهر قلوبهم من وضر البدع
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
[ محمد : 24 ] ، وما أشنع صرف الزمخشري هذه الآية عن ظاهرها بقوله : لم يرد اللّه تعالى أن يمنحهم ألطافه لعلمه أن ألطافه لا تنجح تعالى اللّه سبحانه عما يقول الظالمون ، وإذا لم تنجع ألطاف اللّه تعالى ولم تنفع ، فلطف من ينفع ؟ ! وإرادة من تنجع ؟ ! وليس وراء اللّه للعبد مطمع انتهى ، وتفصيهم عن ذلك عسير
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
أما المنافقون فخزيهم فضيحتهم وهتك سترهم بظهور نفاقهم بين المسلمين ، وازدياد غمهم بمزيد انتشار الإسلام وقوة شوكته وعلو كلمته ، وأما خزي اليهود فالذل والجزية والافتضاح بظهور كذبهم في كتمان نص التوراة . وإجلاء بني النضير من ديارهم ، وتنكير
خِزْيٌ
للتفخيم وهو مبتدأ و
لَهُمْ
خبره ، و
فِي الدُّنْيا
متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار ، والجملة استئناف مبني على سؤال نشأ من أحوالهم الموجبة للعقاب ، كأنه قيل : فما لهم على ذلك من العقوبة ؟ فقيل :
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
وكذا الحال في قوله تعالى :
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
أي مع الخزي الدنيوي
عَذابٌ عَظِيمٌ
لا يقادر قدره وهو الخلود في النار مع أعد لهم فيها ، وضمير
لَهُمْ
في الجملتين - لأولئك - من المنافقين واليهود جميعا ، وقيل : لليهود خاصة ، وقيل :
لَهُمْ
إن استأنفت بقوله سبحانه :
وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا
وإلا فللفريقين ،