تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
مثل هذا التركيب أن سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولا بما يقبل مباشرة أداة الشرط ، وغيرهما لا يشترط ذلك ، والظاهر أن سبب هذا عدم الوقوف على المقصود فليحفظ ، والسرقة أخذ مال الغير خفية ، وإنما توجب القطع إذا كان الأخذ من حرز ، والمأخوذ يساوي عشرة دراهم فما فوقها ، مع شروط تكفلت ببيانها الفروع ، ومذهب الشافعي والأوزاعي وأبي ثور والإمامية رضي اللّه تعالى عنهم أن القطع فيما يساوي ربع دينار فصاعدا ، وقال بعضهم : لا تقطع الخمس إلا بخمسة دراهم ، واختاره أبو علي الجبائي ، قيل : يجب القطع في القليل والكثير - وإليه ذهب الخوارج - والمراد بالأيدي الأيمان - كما روي عن ابن عباس والحسن والسدي وعامة التابعين رضوان اللّه عليهم أجمعين - ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه - أيمانهما - ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[ التحريم : 4 ] اكتفاء بتثنية المضاف إليه كذا قالوا ، قال الزجاج : وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ، ولفظ به على الجمع لأن الإضافة تبينه ، فإذا قلت : أشبعت بطونهما علم أن للاثنين بطنين فقط . وفرع الطيبي عليه عدم استقامة تشبيه ما في الآية هنا بما في الآية الأخرى لأن لكل من السارق يدين فيجوز الجمع ، وأن تقطع الأيدي كلها من حيث ظاهر اللغة ، وكذا قال أبو حيان ، وفيه نظر لأن الدليل قد دل على أن المراد من اليد يد مخصوصة وهي اليمين فجرت مجرى القلب والظهر ؛ واليد اسم لتمام العضو ، ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب ، والإمامية على أنه يقطع من أصول الأصابع ويترك له الإبهام والكف ، ورووه عن علي كرم اللّه تعالى وجهه ، واستدلوا عليه أيضا بقوله تعالى :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
[ البقرة : 79 ] إذ لا شك في أنهم إنما يكتبونه بالأصابع ، وأنت تعلم أن هذا لا يتم به الاستدلال على ذلك المدعى ، وحال روايتهم أظهر من أن تخفى ، والجمهور على أن المقطع هو الرسغ ، فقد أخرج البغوي وأبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث الحارث بن أبي عبد اللّه بن أبي ربيعة « أنه عليه الصلاة والسلام أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه » والمخاطب بقوله سبحانه :
فَاقْطَعُوا
على ما في البحر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو ولاة الأمور كالسلطان ، ومن أذن له في إقامة الحدود ، أو القضاة والحكام ، أو المؤمنون أقوال أربعة ، ولم تدرج السارقة في السارق تغليبا كما هو المعروف في أمثاله لمزيد الاعتناء بالبيان والمبالغة في الزجر
جَزاءً
نصب على أنه مفعول له أي فاقطعوا للجزاء ، أو على أنه مصدر - لاقطعوا - من معناه ، أو لفعل مقدر من لفظه ، وجوز أن يكون حالا من فاعل - اقطعوا - مجازين لهما
بِما كَسَبا
بسبب كسبهما ، أو ما كسباه من السرقة التي تباشر بالأيدي وقوله تعالى :
نَكالًا
مفعول له أيضا - كما قال أكثر المعربين - وقال السمين : منصوب كما نصب
جَزاءً
، واعترض الوجه الأول بأنه ليس بجيد لأن المفعول له لا يتعدد بدون عطف واتباع لأنه على معنى اللام ، فيكون كتعلق حرفي جر بمعنى بعامل واحد وهو ممنوع ، ودفع بأن النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه ، وقال الحلبي وبعض المحققين : إنه إنما ترك العطف إشعارا بأن القطع للجزاء والجزاء للنكال والمنع عن المعاودة ، وعليه يكون مفعولا له متداخلا كالحال المتداخلة ، وبه أيضا يندفع الاعتراض وهو حسن ، وقال عصام الملة : إنما لم يعطف لأن العلة مجموعهما - كما في هذا خلو حامض - والجزاء إشارة إلى أن فيه حق العبد ، والنكال إشارة إلى أن فيه حق اللّه تعالى ، ولا يخفى ما فيه فتأمل ، ونقل عن بعض النحاة أنه أجاز تعدد المفعول له بلا أتباع وحينئذ لا يرد السؤال رأسا ، وقوله تعالى :
مِنَ اللَّهِ
متعلق بمحذوف وقع صفة لنكالا أي نكالا كائنا منه تعالى
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
في شرع الردع
حَكِيمٌ
في إيجاب القطع ، أو
عَزِيزٌ
في انتقامه من السارق وغيره من أهل المعاصي
حَكِيمٌ
في فرائضه وحدوده ، والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير مرة .