تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
موضع لها من الإعراب ؛ وقد سدت - كما قال أبو البقاء - مسدّ جواب الشرط في قوله تعالى :
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ
ذكرا كان أو أنثى ، فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا إرثه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها ، والآية كما لم تدل على سقوط الأخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به ، وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب إذ صح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم « الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر » ولا ريب في أن الأب أولى من الأخ وليس ما ذكر بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة
فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ
عطف على الشرطية الأولى ، والضمير لمن يرث بالأخوة وتثنيته محمولة على المعنى وحكم ما فوق الاثنتين كحكمهما ، واستشكل الإخبار عن ضمير التثنية بالاثنتين لأن الخبر لا بد أن يفيد غير ما يفيده المبتدأ ، ولهذا لا يصح سيد الجارية مالكها ، وضمير التثنية دال على الاثنينية فلا يفيد الإخبار عنه بما ذكر شيئا ، وأجيب عن ذلك أن الاثنينية تدل على مجرد التعدد من غير تقييد بكبر أو صغر أو غير ذلك من الأوصاف فكأنه قيل : إنهما يستحقان ما ذكر بمجرد التعدد من غير اعتبار أمر آخر وهذا مفيد ، وإليه ذهب الأخفش ، ورد بأن ضمير التثنية يدل على ذلك أيضا فعاد الإشكال ، وروى مكي عنه أنه أجاب بأن ذلك حمل على معنى من يرث ، وأن الأصل والتقدير إن كان من يرث بالأخوة اثنين ، وإن كان من يرث ذكورا وإناثا فيما يأتي ؛ وإنما قيل :
كانَتَا
و
كانُوا
لمطابقة الخبر كما قيل : من كانت أمك ، ورد بأنه غير صحيح وليس نظير المثال ، لأنه صرح فيه بمن وله لفظ ومعنى ، فمن أنث راعى المعنى وهو الأم ولم يؤنث لمراعاة الخبر ، ومدلول الخبر فيه مخالف لمدلول الاسم بخلاف ما نحن فيه فإن مدلولهما واحد . وذكر أبو حيان لتخريج الآية وجهين : الأول أن ضمير
كانَتَا
لا يعود على الأختين بل على الوارثين ، وثم صفة محذوفة لاثنتين ، والصفة مع الموصوف هو الخبر ، والتقدير
فَإِنْ كانَتَا
أي الوارثتان
اثْنَتَيْنِ
من الأخوات فيفيد إذ ذاك الخبر ما لا يفيده الاسم ، وحذف الصفة لفهم المعنى جائز ، والثاني أن يكون الضمير عائدا على الأختين - كما ذكروا - ويكون خبر « كان » محذوفا لدلالة المعنى عليه وإن كان حذفه قليلا ، ويكون
اثْنَتَيْنِ
حالا مؤكدة ، والتقدير فإن كانتا أي الأختان له أي للمرء الهالك ، ويدل على حذف له
وَلَهُ أُخْتٌ
.
وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر بقرينة
رِجالًا وَنِساءً
الواقع بدلا ، وقيل : فيه اكتفاء
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي من جملتها حكمها ، وإلى هذا ذهب أبو مسلم
أَنْ تَضِلُّوا
أي كراهة أن تضلوا في ذلك وهو رأي البصريين وبه صرح المبرد . وذهب الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين إلى تقدير اللام ولا في طرفي
إِنِ
أي لئلا تضلوا ، وقيل : ليس هناك حذف ولا تقدير وإنما المنسبك مفعول
يُبَيِّنُ
أي يبين لكم ضلالكم ، ورجح هذا بأنه من حسن الختام والالتفات إلى أول السورة وهو
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
فإنه سبحانه أمرهم بالتقوى وبين لهم ما كانوا عليه في الجاهلية ، ولما تم تفصيله قال عزّ وجل لهم : إني بينت لكم ضلالكم فاتقوني كما أمرتكم فإن الشر إذا عرف اجتنب ، والخير إذا عرف ارتكب ، واعترض بأن المبين صريحا هو الحق والضلال يعلم بالمقايسة ، فكان الظاهر يبين لكم الحق إلا أن يقال : بيان الحق واضح وبيان الضلال خفي فاحتيج إلى التنبيه عليه وفيه تأمل ، وذكر الجلال السيوطي أن حسن الختام في هذه السورة أنها ختمت بآية الفرائض ، وفيها أحكام الموت الذي هو آخر أمر كل حي وهي أيضا آخر ما نزل من الأحكام
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم
عَلِيمٌ