تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
وذلك قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
[ الأنعام : 68 ] الآية ، وهذا يقتضي الانزجار عن مجالستهم في تلك الحالة القبيحة ، فكيف بموالاتهم والاعتزاز بهم ؟ ! و
أَنْ
هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر أي إنه إذا سمعتم ، وقدره بعضهم ضمير المخاطبين أي إنكم ، وكون المخففة لا تعمل في غير ضمير الشأن إلا لضرورة - كما قال أبو حيان - في حيز المنع ، وقد صحح غير واحد جواز ذلك من غير ضرورة ، والجملة الشرطية خبر وهي تقع خبرا في كلام العرب ، و
أَنْ
وما بعدها في موضع النصب على أنه مفعول به - لنزل - وهو القائم مقام الفاعل على القراءة الثانية ، واحتمال أنه قد يجعل القائم مقامه عليكم ، وتكون
أَنْ
مفسرة لأن التنزيل في معنى القول لا يلتفت إليه ، و
يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ
في موضع الحال من الآيات جيء بهما لتقييد النهي عن المجالسة ، فإن قيد القيد قيد ، والمعنى لا تقعدوا معهم وقت كفرهم واستهزائهم بالآيات ، وإضافة الآيات إلى الاسم الجليل لتشريفها وإبانة خطرها وتهويل أمر الكفر بها ، والضمير في
مَعَهُمْ
للكفرة المدلول عليهم ب
يُكْفَرُ
وَيُسْتَهْزَأُ
والضمير في غيره راجع إلى تحديثهم بالكفر والاستهزاء ، وقيل : الكفر والاستهزاء لأنهما في حكم شيء واحد ، وقوله تعالى :
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ
تعليل للنهي غير داخل تحت التنزيل و
إِذا
ملغاة لأن شرط علمها النصب في الفعل أن تكون في صدر الكلام فلذا لم يجيء بعدها فعل ، و - مثل - خبر عن ضمير الجمع وصح مع إفراده لأنه في الأصل مصدر ، فيستوي فيه الواحد المذكر وغيره ، وقيل : لأنه كالمصدر في الوقوع على القليل والكثير ؛ أو لأنه مضاف لجمع فيعم ، وقد يطابق ما قبله كقوله تعالى :
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ
[ محمد : 38 ] ، والجمهور على رفعه ، وقرئ شاذا بالنصب ، فقيل : إنه منصوب على الظرفية لأن معنى قولك : زيد مثل عمرو في أنه حال مثله ، وقيل : إنه إذا أضيف إلى مبني اكتسب البناء ولا يختص ذلك بما المصدرية كما توهم بل يكون فيها مثل
مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
[ الصافات : 92 ] ، وفي غيرها كقوله :
فأصبحوا قد أعاد اللّه نعمتهم * إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
وابن مالك يشترط لاكتساب البناء أن لا يقبل المضاف التثنية والجمع - كدون وغير وبين - ولم يصحح ذلك في - مثل - وأعربه حالا من الضمير المستتر في - حق - في قوله تعالى :
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ - ما - أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب ، والمراد من المنافقين إما المخاطبون ، وأقيم المظهر مقام المضمر تسجيلا لنفاقهم وتعليلا للحكم بمأخذ الاشتقاق ، وإما للجنس وهم داخلون دخولا أوليا وتقديمهم لتشديد الوعيد على المخاطبين وانتصابه على الحال طرز ما مر ، واستشكل كون الخطاب للمنافقين بأنهم مثل الكافرين في الكفر من غير سببية القعود معهم فلا وجه لترتب الجزاء على الشرط ، والعدول عن كون المماثلة في الكفر إلى المماثلة في المجاهرة به لا يحسن معه كون جملة
إِنَّ اللَّهَ
إلخ تعليلا لكونهم مثلهم بتلك المماثلة بالطريق الذي ذكر ، وأيضا الذين نهوا عن مجالسة الكافرين والمستهزئين بمكة هم المؤمنون المخلصون لا المنافقون لأن نجم النفاق إنما ظهر بالمدينة ، فكيف يذكر المنافقون فيها بنهي نزل في مكة قبل أن يكونوا ؟ . وأجيب عن هذا بأنه إن سلم أن المنزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وإن خوطب به خاصة منزل على الأمة مخلصهم ومنافقهم إلى قيام الساعة ، صح دخول المنافقين وإن لم يكونوا وقت النزول وإن لم يسلم ذلك فإن ادعي الاقتصار على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يدخل المؤمنون المخلصون أيضا ، وإن ادّعي دخولهم فقط دون المنافقين الذين هم مؤمنون ظاهرا