تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
للمفعول ، واستعمال - نزل - أولا و
أَنْزَلَ
ثانيا لأن القرآن نزل مفرقا بالإجماع ، وكان تمامه في ثلاث وعشرين سنة على الصحيح ولا كذلك غيره من الكتب فتذكر .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
أي بشيء من ذلك فإن الحكم المتعلق بالأمور المتعاطفة بالواو - كما قال العلامة الثاني - قد يرجع إلى كل واحد ، وقد يرجع إلى المجموع ، والتعويل على القرائن ، وهاهنا قد دلت القرينة على الأول لأن الإيمان بالكل واجب والكل ينتفي بانتفاء البعض ومثل هذا ليس من جعل الواو بمعنى أو في شيء ، وجوز بعضهم رجوعه إلى المجموع لوصف الضلال بغاية البعد في قوله تعالى :
فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
ويستفاد منه أن الكفر بأي بعض كان ضلال متصف - ببعد - والمشهور أن المراد - بالضلال البعيد - الضلال البعيد عن المقصد بحيث لا يكاد يعود المتصف به إلى طريقه ، ويجوز أن يراد
ضَلالًا بَعِيداً
عن الوقوع ، والجملة الشرطية تذييل للكلام السابق وتأكيد له ، وزيادة - الملائكة واليوم الآخر - في جانب الكفر على ما ذكره شيخ الإسلام لما أن بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلا ، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل ، وتقديم الرسول فيما سبق لذكر الكتاب بعنوان كونه منزلا عليه ، وتقديم الملائكة والكتب على الرسل لأنهم وسائط بين اللّه عزّ وجل وبين الرسل في إنزال الكتب ، وقيل : اختلاف الترتيب في الموضعين من باب التفنن في الأساليب والزيادة في الثاني لمجرد المبالغة ، وقرئ بكتابه على إرادة الجنس
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
هم قوم تكرر منهم الارتداد وأصروا على الكفر وازدادوا تماديا في الغي ، وعن مجاهد وابن زيد أنهم أناس منافقون أظهروا الإيمان ، ثم ارتدوا ، ثم أظهروا ، ثم ارتدوا ، ثم ماتوا على كفرهم ، وجعلها ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عامة لكل منافق في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم في البر والبحر ، وعن الحسن أنهم طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكانوا يظهرون الإيمان بحضرتهم ، ثم يقولون قد عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون ، ثم يظهرون ، ثم يقولون : قد عرضت لنا شبهة أخرى فيكفرون ، ويستمرون على الكفر إلى الموت ، وذلك معنى قوله تعالى :
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[ آل عمران : 72 ] ، وقيل : هم اليهود آمنوا بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بعبادتهم العجل حين غاب عنهم ، ثم آمنوا عند عوده إليهم ، ثم كفروا بعيسى عليه السلام ، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وروي ذلك عن قتادة ، وقال الزجاج والفراء : إنهم آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا بعده ، ثم آمنوا بعزير ، ثم كفروا بعيسى عليه السلام ، ثم ازدادوا كفرا بنبينا عليه الصلاة والسلام ، وأورد على ذلك بأن الذين ازدادوا كفرا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليسوا بمؤمنين بموسى عليه السلام ، ثم كافرين بعبادة العجل أو بشيء آخر ، ثم مؤمنين بعوده إليهم أو بعزير ، ثم كافرين بعيسى عليه السلام بل هم إما مؤمنون بموسى عليه السلام وغيره ، أو كفار لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل . وأجيب بأنه لم يرد على هذا قوم بأعيانهم بل الجنس ، ويحصل التبكيت على اليهود الموجودين باعتبار عد ما صدر من بعضهم كأنه صدر من كلهم ، والذي يميل القلب إليه أن المراد قوم تكرر منهم الارتداد أعم من أن يكونوا منافقين أو غيرهم ، ويؤيده ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي كرم اللّه تعالى وجهه أنه قال في المرتد : إن كنت لمستتيبه ثلاثا ، ثم قرأ هذه الآية وإلى رأي الإمام كرم اللّه تعالى وجهه ذهب بعض الأئمة فقال : يقتل المرتد في الرابعة ولا يستتاب ، وكأنه أراد أنه لا فائدة في الاستتابة إذ لا منفعة ، وعليه فالمراد من قوله سبحانه :
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
أنه سبحانه لا يفعل ذلك أصلا وإن تابوا ، وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور : المراد من نفي المغفرة والهداية نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت ومعنى نفيه استبعاد وقوعه فإن من تكرر