أخرجه ابن حميد والنحاس عن سعيد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول لمن قتل مؤمنا توبة فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمنا توبة ؟ قال : لا إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه : ما كنت هكذا تفتينا كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة فما شأن هذا اليوم ؟ ! قال : إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك ، وكان هذا أيضا شأن غيره من الأكابر فقد قال سفيان : كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له فإذا ابتلي رجل قالوا له : تب ، وأجاب آخرون بأن المراد من الخلود في الآية المكث الطويل لا الدوام لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم ،
وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد اللّه أنه قال :
فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ
إن هو جازاه ، وروي مثله بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ،
قيل : وهذا كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر :
إن فعلته فجزاؤك القتل والضرب ، ثم إن لم يجازه لمن يكن ذلك منه كذبا ، والأصل في هذا على ما قال الواحدي : أن اللّه عزّ وجل يجوز أن يخلف الوعيد وإن امتنع أن يخلف الوعد ، وبهذا وردت السنة
ففي حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : من وعده اللّه تعالى على عمله ثوابا فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار »
و
من أدعية الأئمة الصادقين رضي اللّه تعالى عنهم : يا من إذا وعد وفا ، وإذا توعد عفا ،
وقد افتخرت العرب بخلف الوعيد ، ولم تعده نقصا كما يدل عليه قوله :
وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
واعترض بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر ، وإذا جاز الخلف فيه وهو كذب لإظهار الكرم ، فلم لا يجوز في القصص والاخبار لغرض من الأغراض ، وفتح ذلك الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع كلها .
والقائلون بالعفو عن بعض المتوعدين منهم من زعم أن آيات الوعيد إنشاء ، ومنهم من قال إنها إخبار إلا أن هناك شرطا محذوفا للترهيب فلا خلف بالعفو فيها ، وقال شيخ الإسلام : والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه كيف لا وقد قال عزّ وجل :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] ولو كان هذا إخبارا بأنه سبحانه يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله جل شأنه
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
وهذا مأخوذ من كلام أبي صالح وبكر بن عبد اللّه ، واعترضه أبو علي الجبائي بأن ما لا يفعل لا يسمى جزاء ألا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي عند مستأجرة لا تسمى جزاء ما لم تعط له وتصل إليه ؟ .
وتعقبه الطبرسي بأن هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل أم لم يفعل ، ولهذا يقال : جزاء المحسن الإحسان ؛ وجزاء المسئ الإساءة ، وإن لم يتعين المحسن والمسئ حتى يقال : فعل ذلك معهما أو لم يفعل ، ويقال لمن قتل غيره : جزاء هذا أن يقتل ، وهو كلام صادق وإن لم يفعل القتل وإنما لا يقال للدراهم ؛ إنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في الدراهم المعينة فللمستأجر أن يعطيه منها ومن غيرها .
واعترض بأنا سلمنا أنه لا يلزم في الجزاء أن يفعل إلا أن كثيرا من الآيات كقوله تعالى :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
[ النساء : 123 ]
وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 8 ] يدل على أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين البتة ، وفي الآية ما يشير إليه ؛ ولا يخفى ما فيه لأن الآيات التي فيها أنه تعالى يوصل الجزاء إلى مستحقه كلها في حكم آيات الوعيد والعفو فيه جائز ، فلا معنى للقول بالبتّ ، ومن هنا قيل : إن الآية لا تصلح دليلا للمعتزلة مع قوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] .
وقد أخرج البيهقي عن قريش بن أنس قال : « كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول : يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي اللّه تعالى فيقول لي : لم قلت : إن القاتل في النار ؟ فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً