تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
للخد - وأحرار الطير ، وكذا تحرير الكتاب من هذا أيضا ، والمراد بالرقبة النسمة تعبيرا عن الكل بالجزء ، قال الراغب : إنها في المتعارف للمماليك كما يعبر بالرأس والظهر عن المركوب ، فيقال : فلان يربط كذا رأسا وكذا ظهرا
مُؤْمِنَةٍ
محكوم بإيمانها وإن كانت صغيرة ، وإلى ذلك ذهب عطاء ، وعن ابن عباس والشعبي وإبراهيم والحسن لا يجزئ في كفارة القتل الطفل ولا الكافر ، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال في حرف أبي : فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي ، وفي الآية رد على من زعم جواز عتق كتابي صغير أو مجوسي كبير أو صغير ، واستدل بها على عدم إجزاء نصف رقبة ونصف أخرى
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
أي مؤداة إلى ورثة القتيل يقتسمونها بينهم على حسب الميراث ، فقد أخرج أصحاب السنن الأربعة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال : كتب إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ويقضى منها الدين وتنفذ الوصية ولا فرق بينها وبين سائر التركة ، وعن شريك لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية . وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها ؛ وذلك خلاف قول الجماعة ، وتجب الرقبة في مال القاتل ، والدية تتحملها عنه العاقلة ، فإن لم تكن فهي في بيت المال ، فإن لم يكن ففي ماله
إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا
أي يتصدق أهله عليه ، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه ، وقد أخرج الشيخان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « كل معروف صدقة » وهو متعلق بعلية المقدر قبل ، أو - بمسلمة - أي فعليه الدية أو يسلمها في جميع الأحيان إلا حين أن يتصدق أهله بها فحينئذ تسقط ولا يلزم تسليمها ، وليس فيه - كما قيل - دلالة على سقوط التحرير حتى يلزم تقدير عليه آخر قبل قوله :
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ
فالمنسبك في محل نصب على الاستثناء ، وقال الزمخشري : إن المنسبك في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو لظرف ، وتعقبه أبو حيان بأن كلا التخريجين خطأ لأن
أَنْ
والفعل لا يجوز وقوعهما حالا ، ولا منصوبا على الظرفية - كما نص عليه النحاة - وذكر أن بعضهم استشهد على وقوع
أَنْ
وصلتها موقع ظرف الزمان بقوله :
فقلت لها لا تنكحيه فإنه * لأول سهم أن يلاقي مجمعا
أي لأول سهم زمان ملاقاته ، وابن مالك - كما قال السفاقسي - يقدر في الآية والبيت حرف الجر أي بأن يصدقوا ، وبأن يلاقي ، وقرأ أبي - إلا أن يتصدقوا -
فَإِنْ كانَ
أي المقتول خطأ
مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ
أي كفار يناصبونكم الحرب
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
ولم يعلم به القاتل لكونه بين أظهر قومه بأن أتاهم بعد أن أسلم أعلمهم ، أو بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم ، والآية نزلت - كما قال ابن جبير - في مرداس بن عمرو لما قتله خطأ أسامة بن زيد
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
أي فعلى قاتله الكفارة دون الدية إذ لا وراثة بينه وبين أهله
فَإِنْ كانَ
أي المقتول المؤمن - كما روي عن جابر بن زيد -
مِنْ قَوْمٍ
كفار
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
أي عداء مؤقت أو مؤبد
فَدِيَةٌ
أي فعلى قاتله دية
مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
من أهل الإسلام إن وجدوا ، ولا تدفع إلى ذوي قرابته من الكفار ، وإن كانوا معاهدين إذ لا يرث الكافر المسلم ، ولعل تقديم هذا الحكم - كما قيل - مع تأخير نظيره فيما سلف للإشعار بالمسارعة إلى تسليم الدية تحاشيا عن توهم نقض الميثاق
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
كما هو حكم سائر المسلمين ، ولعل إفراده بالذكر - كما قيل - أيضا مع اندراجه في حكم ما سبق في قوله سبحانه :
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً
إلخ لبيان أن كونه فيما بين المعاهدين لا يمنع وجوب الدية كما منعه كونه بين المحاربين . وقيل : المراد بالمقتول هنا أحد أولئك القوم المعاهدين فيلزم قاتله تحرير الرقبة ، وأداء الدية إلى أهله المشركين للعهد الذي بيننا وبينهم ، وروي ذلك عن ابن عباس والشعبي وأبي مالك ، واستدل بها على أن دية المسلم والذمي سواء لأنه تعالى ذكر في كل الكفارة والدية فيجب أن تكون ديتهما سواء كما أن الكفارة عنهما سواء .
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 109 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية