أَمْوالَهُمْ
أي من غير تأخير عن حدّ البلوغ كما تدل عليه الفاء ، وفي إيثار الدفع على الإيتاء في أول الأمر إيذان على ما ذهب إليه البعض بتفاوتهما بحسب المعنى ، وقد تقدم الكلام في ذلك ، ونظم الآية أن حتى هي التي تقع بعدها الجمل كالتي في قوله :
سريت بهم حتى تكل مطيهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
وتسمى ابتدائية في ذلك ، ولا يذهب منها معنى الغاية كما نصوا عليه في عامة كتب النحو ، وذكره الكثير من الأصوليين خلافا لمن وهم فيه ، وما بعدها جملة شرطية جعلت غاية للابتلاء ، وفعل الشرط بلغوا وجوابه الشرطية الثانية كما حققه غير واحد من المعربين ، وبيان ذلك أنه ذكر في شرح التسهيل لابن عقيل أنه إذا توالى شرطان فأكثر كقولك : إن جئتني إن وعدتك أحسنت إليك فأحسنت إليك جواب إن جئتني ، واستغنى به عن جواب إن وعدتك ، وزعم ابن مالك أن الشرط الثاني مقيد للأول بمنزلة الحال ، وكأنه قيل : إن جئتني في حال وعدي لك ، والصحيح في هذه المسألة أن الجواب للأول ، وجواب الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه فإذا قلت : إن دخلت الدار إن كلمت زيدا إن جاء إليك فأنت حر ، فأنت حرّ جواب إن دخلت ، وإن دخلت وجوابه دليل جواب إن كلمت ، وإن كلمت وجوابه دليل جواب إن جاء ، والدليل على الجواب جواب في المعنى ، والجواب متأخر فالشرط الثالث مقدم وكذا الثاني فكأنه قيل : إن جاء فإن كلمت فإن دخلت فأنت حر فلا يعتق إلا إذا وقعت هكذا مجيء ثم كلام ثم دخول ، وهو مذهب الشافعي ، وذكر الجصاص أن فيها خلافا بين محمد وأبي يوسف ، وليس مذهب الشافعي فقط والسماع يشهد له قال :
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا * منا معاقد عز زانها كرم
وعليه فصحاء المولدين ، وقال بعض الفقهاء : الجواب للأخير والشرط الأخير وجوابه جواب الثاني ، والشرط الثاني وجوابه جواب الأول فعلى هذا لا يعتق حتى يوجد هكذا دخول ثم كلام ثم مجيء ، وقال بعضهم : إذا اجتمعت حصل العتق من غير ترتيب وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف فإن عاطف بأو فالجواب لأحدهما دون تعيين نحو - إن جئتني ، أو إن أكرمت زيدا أحسنت إليك - وإن كان بالواو فالجواب لهما ، وإن كان بالفاء فالجواب للثاني ، وهو وجوابه جواب الأول فتخرج الفاء عن العطف وما نحن فيه من المقرون بالفاء وهي رابطة للجواب كالفاء الثانية وما خرجناه عليه هو الذي ارتضاه جماعة منهم الزمخشري ومذهب الزجاج . وبعض النحاة والمئونة عليه أقل أن حتى الداخلة على هذه الجملة حرف جر ، وإذا متمحضة للظرفية وليس فيها معنى الشرط ، والعامل فيها على التقدير الأول ما يتلخص من معنى جوابها والمعنى « 1 »
وَابْتَلُوا الْيَتامى
إلى وقت بلوغهم فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم ، وعبر في البلوغ بإذا وفي الإيناس بأن للفرق بينهما ظهورا وخفاء وظاهر الآية الكريمة أنه لا يدفع إليهم ولو بلغوا ما لم يؤنس منهم الرشد ، وهو مذهب الشافعي وقول الإمامين ، وبه قال مجاهد ، فقد أخرج ابن المنذر ، وغيره عنه أنه قال : لا يدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد ، ونسب إلى الشعبي ، وقال الإمام الأعظم : إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة كما في الحديث - يدفع إليه ماله ، وإن لم يؤنس الرشد لأن المنع كان لرجاء التأديب فإذا بلغ ذلك السن ولم يتأدب انقطع عنه لرجاء غالبا فلا معنى
هامش
( 1 ) تلخيص للمعنى وإظهار لكون المقصود الجزاء أعني الدفع وأن استحقاقهم الدفع لا يتخلف عن البلوغ البتة عند تحقق الشرط كذا في الكشف ا ه منه .