تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
قالوا اغتنى ناس وإنا نرى * عنك وأنت العلم المال مال
قلت غنى النفس كمال الغنى * والفقر كل الفقر فقد الكمال
« وله أيضا » :
قالوا حوى المال رجال وما * على كمال نلت هذا المنال
فقلت حازوا بعض أجزائه * وإنني حزت جميع الكمال
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
أي اجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا وتربحوا حتى تكون نفقاتهم من الأرباح لا من صلب المال لئلا يأكله الإنفاق ، وهذا ما يقتضيه جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة ، ولو قيل : منها كان الإنفاق من نفس المال ، وجوز بعضهم أن تكون في بمعنى من التبعيضية .
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
أي كلاما تطيب به نفوسهم كأن يقول الولي لليتيم : مالك عندي وأنا أمين عليه فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك ، وعن مجاهد وابن جريج أنهما فسرا القول المعروف بعدة جميلة في البر والصلة ، وقال ابن عباس : هو مثل أن يقول : إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله ، وإن غنمت في غزاي جعلت لك حظا ، وقال الزجاج : علموهم - مع إطعامكم وكسوتكم إياهم - أمر دينهم مما يتعلق بالعلم والعمل ، وقال القفال : إن كان صبيا فالوصي يعرفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه يرد المال إليه ، وإن كان سفيها وعظه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإتلاف فقر واحتياج . وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له : عافانا اللّه تعالى وإياك بارك اللّه تعالى فيك ، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر لما أنه ظاهر في أن الخطاب في هذه الجملة ليس للأولياء ، وبالجملة كل ما سكنت إليه النفس لحسنه شرعا أو عقلا من قول أو عمل معروف ، وكل ما أنكرته لقبحه شرعا أو عقلا منكر - قاله غير واحد - وليس إشارة إلى المذهبين في الحسن والقبح هل هو شرعي أو عقلي - كما قيل - إذ لا خلاف بيننا وبين القائلين بالحسن والقبح العقليين في الصفة الملائمة للغرض والمنافرة له ، وإن منها ما مأخذه العقل وقد يرد به الشرع ، وإنما الخلاف - فيما يتعلق به المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا - هل هو مأخذه للشرع فقط أو العقل على ما حقق في الأصول
وَابْتَلُوا الْيَتامى
شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق ، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء - قاله شيخ الإسلام - وهو ظاهر على تقدير أن يراد السفهاء المبذرين « 1 » بالفعل من اليتامى وأما على تقدير أن يراد بهم اليتامى مطلقا ووصفهم بالسفه باعتبار ما أشير إليه فيما مر ففيه نوع خفاء ، وقيل : إن هذا رجوع إلى بيان الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى لا شروع وهو مبني على أن ما تقدم كان مذكورا على سبيل الاستطراد والخطاب للأولياء ، والابتلاء الاختبار أي - واختبروا من عندكم من اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها وجربوهم بما يليق بحالهم - والاقتصار على هذا الاهتداء رأي أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه ، والشافعي رحمه اللّه تعالى يعتب مع هذا أيضا الصلاح في الدين ، إلى ذلك ذهب ابن جبير ، ونسب إلى ابن عباس ، والحسن . واتفق الإمامان رضي اللّه تعالى عنهما على أن هذا الاختبار قبل البلوغ وظاهر الكلام يشهد لهما لما تدل عليه الغاية ، وقال الإمام مالك : إنه بعد البلوغ ، وفرع الإمام الأعظم على كون الاختيار قبل أن تصرفات العاقل المميز بإذن
هامش
( 1 ) قوله : « المبذرين » كذا بخط المؤلف ا ه مصححه .