تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح ، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الإنفاق فقط . ومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت : إن اللّه تعالى يقول
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
فقال لها : قد كظمت غيظي قالت :
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قال : قد عفا اللّه تعالى عنك قالت :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
قال : اذهبي فأنت حرة لوجه اللّه تعالى ، ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
من تتمة ما نزل حين قال المسلمون لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « بنو إسرائيل كانوا أكرم على اللّه تعالى منا » إلخ على ما أشرنا إليه فيما تقدم ، وعن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه أنه ذكر عند رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية . و في رواية الكلبي « أن رجلين أنصاريا وثقيفا آخى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان فخرج رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في بعض مغازيه وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته فكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعا فقالت : سبحان اللّه تعالى خنت أمانتك وعصيت ركب ولم تصل إلى حاجتك قال : وندم على صنيعته فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى اللّه تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجدا وهو يقول : رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له : قم يا فلان فانطلق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل اللّه تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه السلام بتوبته فتلا
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا
إلى قوله سبحانه وتعالى
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه : يا رسول اللّه ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : بل للناس عامة » . و في رواية عطاء عن ابن عباس أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية . وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول وأيا ما كان فبإطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الرماة انتظاما أوليا ، وأخرج الترمذي عن عطاف بن خالد أنه قال : بلغني أنها لما نزلت صاح إبليس بجنوده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر فقالوا : ما لك يا سيدنا قال : آية نزلت في كتاب اللّه لا يضر بعدها أحدا من بني آدم ذنب قالوا : وما هي ؟ فأخبرهم قالوا : نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم بذلك ، والموصول إما مفصول عما قبله على أنه مبتدأ ، وقيل : إنه معطوف على ما قبله من صفات المتقين ، وقوله سبحانه :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة الأولين من التقوى أعلى وحظهم أوفى ، أو على المتقين فيكون التفاوت أظهر وأكثر ، - والفاحشة - الكبائر ، وظلم النفس الصغائر قاله القاضي عبد الجبار الهمداني ، وقيل : الفاحشة المعصية الفعلية ، وظلم النفس المعصية القولية ، وقيل : الفاحشة ما يتعدى ، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك ، وقيل : الفاحشة كل ما يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال ، وكثيرا ما ترد بمعنى