الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار والغيظ ليس كذلك وقيل : هما متلازمان إلا أن الغضب يصح إسناده إلى اللّه تعالى والغيظ لا يصح فيه ذلك .
والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون له ما يكره بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الإنقاذ والانتقام وهذا هو الممدوح ،
فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعا « من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه تعالى قلبه أمنا وإيمانا » .
و
أخرج أحمد عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللّه تعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره اللّه تعالى من أي الحور شاء »
وفي الأول جزاء من جنس العمل ، وفي الثاني ما هو من توابعه ، وهذا الوصف معطوف على ما قبله والعدول إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على الاستمرار ، وأما الإنفاق فحيث كان أمرا متجددا عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
أي المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا مؤاخذته إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين ، وقيل : عن المملوكين إذا أساءوا ، والعموم أولى .
أخرج ابن جرير عن الحسن « أن اللّه تعالى يقول يوم القيامة : ليقم من كان له على اللّه تعالى أجر فلا يقوم إلا إنسان عفا » ،
و
أخرج الطبراني عن أبيّ بن كعب أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه » .
و
أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك في الآية « إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم اللّه تعالى وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت »
والاستثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم ، وكون بعض الخصائص كثيرا في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه ومن ظن ذلك تكلف في توجيه الحديث بأن المراد أن الكاظمين الغيظ في أمتي قليل إلا بعصمة اللّه تعالى لغلبه الغيظ عليهم ، وقد كانوا كثيرا في الأمم السالفة لقلة حميتهم ولذا كان الأمر بالمعروف النهي عن المنكر فيما بينهم قليلا ولما تمرنت هذه الأمة في الغضب للّه تعالى والتزموا الاجتناب عن المداهنة صار إنفاذ الغيظ عادتهم فلا يكظمون إذا ابتلوا إلا بعصمة اللّه تعالى ، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلة الحمية وهم الكثيرون في الأمم السالفة فلا اختصاص لهم بمزية ليتوهم تفضيلهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه ، ولا يخفى أن هذا التوجيه مما تأباه الإشارة والعبارة ، وأحسن منه بل لا نسبة أن الكثرة نظرا إلى مجموع الأمم لا بالنسبة إلى كل أمة أمة ولا يضر قلة وجود الموصوفين بتلك الصفة فينا بالنظر إلى مجموع الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن بعث نبينا صلى اللّه تعالى عليه وسلم لأن هذه الأمة بأسرها قليلة بالنظر إلى مجموع الأمم فضلا عن خيارها فتدبر ، وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعض المحققين : إشعار بكمال حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره صلى اللّه تعالى عليه وسلم وندب له عليه الصلاة والسلام إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي اللّه تعالى عنه حتى
قال : « حين رآه مثل به لأمثلن بسبعين مكانك »
ولعل التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضا دون الفعل لأن العفو أشبه بالكظم منه بالإنفاق
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
تذييل لمضمون ما قبله - وال - إما للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولا أوليا وإما للعهد وعبر عنهم بالمحسنين على ما قيل : إيذانا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي
وقد فسره النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم - بأن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك -
ويمكن أن يقال : الإحسان