تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
و
مِنْ دُونِ اللَّهِ
متعلق بلفظ
عِباداً
لما فيه من معنى الفعل ، ويجوز أن يكون صفة ثانية وأن يكون حالا لتخصيص النكرة بالوصف أي متجاوزين اللّه تعالى إشراكا وإفرادا - كما قال الجبائي - فإن التجاوز متحقق فيهما حتما ، ثم إن هذا الإيتاء في الآية حقيقة على الروايتين الأوليين مجاز على الرواية الأخيرة كما لا يخفى .
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
إثبات لما نفي سابقا ، وهو القول المنصوب بأن كأنه قيل : ما كان لذلك البشر أن يقول ذلك لكن يقول كونوا ربانيين ، فالفعل هنا منصوب أيضا عطفا عليه ، وجوز رفعه على المعنى لأنه في معنى لا يقول ، وقيل : يصح عدم تقدير القول على معنى لا تكونوا قائلين لذلك
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
وفسر علي كرم اللّه تعالى وجهه . وابن عباس الرباني بالفقيه العالم ، وقتادة . والسدي بالعالم الحكيم ، وابن جبير بالحكيم التقي ، وابن زيد بالمدبر أمر الناس - وهي أقوال متقاربة ، وهو لفظ عربي لا سرياني على الصحيح . وزعم أبو عبيدة أن العرب لا تعرفه وهو منسوب إلى الرب كإلهي ، والألف والنون يزادان في النسب للمبالغة كثيرا - كلحياني - لعظيم اللحية ، والجماني لوافر الجمة ، ورقباني بمعنى غليظ الرقبة ، وقيل : إنه منسوب إلى ربان صفة كعطشان بمعنى مربى
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
الباء السببية متعلقة - بكونوا - أي كونوا كذلك بسبب مثابرتكم على تعليمكم الكتاب ودراستكم له ، والمطلوب أن لا ينفك العلم عن العمل إذ لا يعتد بأحدهما بدون الآخر ، وقيل : متعلقة - بربانيين - لأن فيه معنى الفعل ، وقيل بمحذوف وقع صفة له - والدراسة - التكرار يقال : درس الكتاب أي كرره ، وتطلق على القراءة ، وتكرير
بِما كُنْتُمْ
للإشعار باستقلال كل من استمرار التعليم ، واستمرار القراءة المشعر به جعل خبر « كان » مضارعا بالفضل ، وتحصيل الربانية ، وقدم تعليم الكتاب على دراسته لوفور شرفه عليها ، أو لأن الخطاب الأول لرؤسائهم ، والثاني لمن دونهم ، وقيل : لأن متعلق التعليم الكتاب بمعنى القرآن ، ومتعلق الدراسة الفقه - وفيه بعد بعيد - وإن أشعر به كلام بعض السلف . وقرأ نافع ، وابن كثير ، ويعقوب ، وأبو عمرو ، ومجاهد « تعلمون » بمعنى عالمين ، وقرئ « تدرّسون » بالتشديد من التدريس ، وتدرسون من الإدراس بمعناه ، ومجيء أفعل بمعنى فعل كثير ، وجوز كون القراءة المشهورة أيضا بهذا المعنى على أن يكون المراد تدرسونه للناس .
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
قرأ ابن عامر ، وحمزة ، وعاصم ، ويعقوب « ولا يأمركم » بالنصب عطفا على يقول ،
وَلا
أما مزيدة لتأكيد معنى النفي الشائع في الاستعمال سيما عند طول العهد وتخلل الفصل ، والمعنى ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه تعالى ذلك ويرسله للدعوة إلى اختصاصه بالعبادة وترك الأنداد ، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ، ويأمركم أن تتخذوا الملائكة
وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
فهو كقولك : ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي ، وإما غير زائدة بناء على أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان ينهى عن عبادة الملائكة ، والمسيح ، وعزير عليهم السلام فلما قيل له : أنتخذك ربا ؟ قيل لهم : « ما كان لبشر أن يتخذه اللّه تعالى نبيا ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء مع أن من يريد أن يستعبد شخصا يقول له : ينبغي أن تعبد أمثالي وأكفائي » وعلى هذا يكون المقصود - من عدم الأمر - النهي وإن كان أعم منه لكونه أمسّ ، بالمقصود وأوفق للواقع ، وقرأ باقي السبعة
وَلا يَأْمُرَكُمْ
بالرفع على الاستئناف ، ويحتمل الحالية ، وقيل : والرفع على الاستئناف أظهر ، وينصره قراءة « ولن يأمركم » ووجهت الأظهرية بالخلو عن تكلف جعل عدم الأمر بمعنى النهي ، وبأن العطف يستدعي تقديمه على
لكِنْ
وكذا الحالية أيضا . وقرئ بإسكان الراء فرارا من توالي الحركات وعلى سائر القراءات ضمير الفاعل عائد على - بشر - وجوز