تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
يأت ليهلك نفوس الناس ولكن ليحيي وخالفه أصحابه ، وقالوا بل قال : إن ابن الإنسان لم يأت ليلقي على الأرض سلامة لكن سيفا ويضرم فيها نارا ، ولا شك أن هذا تناقض ، أحدهما يقول جاء رحمة للعالمين ، والآخر يقول : جاء نقمة على الخلائق أجمعين ، ومن ذلك أن متى قال : قال يسوع للتلاميذ الاثني عشر : أنتم الذين تكونون في الزمن الآتي جلوسا على اثني عشر كرسيا تدينون اثني عشر سبطا إسرائيل فشهد للكل بالفوز والبر عامة في القيامة ثم نقض ذلك متى وغيره وقال : مضى واحد من التلاميذ الاثني عشر وهو يهوذا صاحب صندوق الصدقة فارتشى على يسوع بثلاثين درهما وجاء بالشرطي فسلم إليهم يسوع فقال يسوع : الويل له خير له أن لا يولد ، ومنه أن متى أيضا ذكر أنه لما حمل يسوع إلى فيلاطس القائد قال : أي شر فعل هذا فصرخ اليهود وقالوا : يصلب يصلب فلما رأى عزمهم وأنه لا ينفع فيهم أخذ ماء وغسل يديه وقال : أنا بريء من دم هذا الصديق وأنتم أبصر ، وأكذب يوحنا ذلك فقال : لما حمل يسوع إليه قال لليهود : ما تريدون ؟ قالوا : يصلب فضرب يسوع ثم سلمه إليهم إلى غير ذلك مما يطول ، فإذا وقع هذا التغيير والتحريف في أصول القوم ومتقدميهم فما ظنك في فروعهم ومتأخريهم :
وإذا كان في الأنابيب حيف * وقع الطيش في صدور الصعاد
ويا ليت شعري هل تنبه ابن منبه لهذا أم لم يتنبه فقال : إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما اللّه تعالى سبحان اللّه هذا من العجب العجاب ؟ !
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ
تنزيه لأنبياء اللّه تعالى عليهم الصلاة والسلام إثر تنزيه اللّه تعالى عن نسبة ما افتراه أهل الكتاب إليه ، وقيل : تكذيب وردّ على عبدة عيسى عليه السلام . و أخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال « قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : معاذ اللّه أن نعبد غير اللّه أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني » فأنزل اللّه تعالى الآية . و أخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : بلغني أن رجلا قال : « يا رسول اللّه نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك ؟ قال : لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه تعالى » فنزلت ، وأخرج ابن أبي حاتم قال : « كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب اللّه تعالى عن موضعه فقال : ما كان لبشر » إلخ ، والمعنى ما يصح ، وقيل : ما ينبغي ، وقيل لا يجوز لأحد ، وعبر بالبشر إيذانا بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي أسنده الكفرة إلى أولئك الكرام عليهم الصلاة والسلام . والجار خبر مقدم - لكان - والمنسبك من
أَنْ
والفعل بعد اسمها ولا بد لاستقامة المعنى من ملاحظة العطف إذ لو سكت عنه لم يصح لأن اللّه تعالى قد آتى كثيرا من البشر الكتاب وأخويه ، وعطف الفعل على منصوب أن - بثم - تعظيما لهذا القول فإنه إذا انتفى بعد مهلة كان انتفاؤه بدونها أولى وأحرى فكأنه قيل : إن هذا الإيتاء العظيم لا يجامع هذا القول أصلا وإن كان بعد مهلة من هذا الإنعام والحكم بمعنى الحكمة ، وقد تقدم معناها ، و - العباد - جمع عبد قال القاضي : وهو هنا من العبادة ولم يقل عبيدا لأنه من العبودية وهي لا تمتنع أن تكون لغير اللّه تعالى ، ولهذا يقال : هؤلاء عبيد زيد ولا يقال : عباده ، والظرف الذي بعده متعلق بمحذوف وقع صفة له أي عبادا كائنين
لِي
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 199 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية