تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
لذلك فإنه شهيد قطعا ، ومما يدل على أنها رخصة - ما روي عن الحسن - أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم فقال : أتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : نعم ثم دعا بالآخر فقال له : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ قال : نعم فقال : أتشهد أني رسول اللّه ؟ قال : إني أصم قالها ثلاثا ، وفي كل يجيبه بأني أصم فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقال : أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئا له . وأما الآخر فقد رخصه اللّه تعالى فلا تبعة عليه « وأما القسم الثاني » فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم : تجب لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[ البقرة : 195 ] وبدليل النهي عن إضاعة المال ، وقال قوم : لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن ، وقال بعضهم : الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها الثواب فإن وجوبها لمحض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لاصلاح الدين ليترتب عليها الثواب وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة بل كثير من الواجبات ما لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة المجاعة ، والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض ، وعن تناول السموم في حال الصحة وغير ذلك ، وهذه الهجرة أيضا من هذا القبيل وليست هي كالهجرة إلى اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم لتكون مستوجبة بفضل اللّه تعالى لثواب الآخرة ، وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم التبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم لكف أذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة وأمر مشروع . فقد روى الديلمي عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض » وفي رواية « بعثت بالمداراة » وفي الجامع « سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم » وروى ابن أبي الدنيا « رأس العقل بعد الإيمان باللّه تعالى مداراة الناس » وفي رواية البيهقي « رأس العقل المداراة » وأخرج الطبراني « مداراة الناس صدقة » وفي رواية له « ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة » . و أخرج ابن عدي ، وابن عساكر « من عاش مداريا مات شهيدا قوا بأموالكم أعراضكم وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه » و عن بردة عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « استأذن رجل على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « بئس ابن الشعيرة - أو أخو العشيرة - ثم أذن له فألان له القول فلما خرج قلت : يا رسول اللّه قلت ما قلت ثم ألنت له القول ؟ فقال : يا عائشة إن من أشر الناس من يتركه الناس أو يدعه الناس اتقاء فحشه » وفي البخاري عن أبي الدرداء « إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم » وفي رواية الكشميهني « وإن قلوبنا لتقليهم » وفي رواية ابن أبي الدنيا ، وإبراهيم الحرمي بزيادة ، « ونضحك إليهم » إلى غير ذلك من الأحاديث لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر وتسيء الظنون . ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس ، وهم الخوارج ، والشيعة : أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلا ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة ، منها أن أحدا لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها وطعنوا على بريدة الأسلمي صحابي رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بسبب أنه كان يحافظ فرسه في صلاته كيلا يهرب ، ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان ، وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام فقال بعضهم :