تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ
أي ما يعلم الملكان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له : إنما نحن ابتلاء من اللّه عزّ وجل فمن تعلم منا وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى ثبت على الإيمان
فَلا تَكْفُرْ
باعتقاده وجواز العمل به ، وقيل : فلا تتعلم معتقدا أنه حق حتى تكفر ، وهو مبني - على رأي الاعتزال - من أن السحر تمويه وتخييل ومن اعتقد حقيته يكفر ، و
مِنْ
مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراق ، وإفراد - الفتنة - مع تعدد المخبر عنه لكونها مصدرا ، والحمل مواطأة للمبالغة ، والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه ، و
حَتَّى
للغاية ، وقيل بمعنى إلا ، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير
يُعَلِّمُونَ
والظاهر أن القول مرة واحدة والقول : بأنه ثلاث أو سبع أو تسع لا ثبت له ، واختلف في كيفية تلقي ذلك العلم منهما فقال مجاهد : إنهما لا يصل إليهما أحد من الناس وإنما يختلف إليهما شيطانان في كل سنة اختلافة واحدة فيتعلمان منهما ، وقيل وهو الظاهر : إنهما كان يباشران التعليم بأنفسهما في وقت من الأوقات ، والأقرب أنهما ليسا إذ ذاك على الصورة الملكية ، وأما ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به قالت : كان لي زوج غاب عني فدخلت على عجوز فشكوت إليها فقالت : إن فعلت ما آمرك أجعله يأتيك فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل ، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما ، فقالا : ما جاء بك ؟ فقلت : أتعلم السحر ، فقالا : إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي ، فأبيت وقلت : لا ، قالا : فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي به ، إلى أن قالت : فذهبت فبلت فيه ، فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب إلى السماء وغاب عني حتى ما أراه ، فجئتهما وذكرت لهما ، فقالا : صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ، اذهبي فلن تريدي شيئا إلا كان - الخبر بطوله - فهو ونظائره - مما ذكره المفسرون من القصص في هذا الباب - مما لا يعول عليه ذوو الألباب ، والإقدام على تكذيب مثل هذه الامرأة الدوجندلية أولى من اتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي لم يصح فيها شيء عن رسول رب البرية صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ويا ليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التي لا يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام ، واستدل بالآية من جوّز تعلم السحر ، ووجهه أن فيها دلالة على وقوع التعليم من الملائكة مع عصمتهم ، والتعلم مطاوع له ، بل هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار كالايجاب والوجوب ، ولا يخفى أنه لا دليل فيها على الجواز مطلقا لأن ذلك التعليم كان للابتلاء والتمييز كما قدمنا ، وقد ذكر القائلون بالتحريم : أن تعلم السحر إذا فرض فشوّه في صقع ، وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق غير حرام كما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين برد الشبه - وإن كان أغلب أحواله التحريم - وهذا لا ينافي إطلاق القول به ، ومن قال : إن هاروت وماروت من الشياطين قال : إن معنى الآية ما يعلمان السحر أحدا حتى ينصحاه ويقولا : إنا مفتونان باعتقاد جوازه والعمل به فلا تكن مثلنا في ذلك فتكفر ، وحينئذ لا استدلال أصلا ، وما ذكرنا أن القول على سبيل النصح في هذا الوجه هو الظاهر ، وحكى المهدوي أنه على سبيل الاستهزاء لا النصيحة وهو الأنسب بحال الشياطين ، وقرأ طلحة بن مصرف - يعلمان - بالتخفيف من الإعلام وعليها حمل بعضهم قراءة التشديد ، وقرأ أبيّ بإظهار الفاعل
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما
عطف على الجملة المنفية لأنها في قوة المثبتة كأنه قال : يعلمانهم بعد ذلك القول فيتعلمون ، وليس عطفا على المنفي بدون هذا الاعتبار كما توهمه أبو علي من كلام الزجاج ، وعطفه بعضهم على
يُعَلِّمانِ
محذوفا ، وبعضهم على
يَأْتُونَ *
كذلك ، والضمير المرفوع لما دل عليه
أَحَدٍ
وهو الناس أو - لأحد - حملا له على المعنى كما في قوله تعالى
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
[ الحاقة : 47 ] وحكى المهدوي جواز العطف على
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
فمرجع