تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
« وأما ثانيا » فلأن توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوع ، ألا ترى أن أكثر العلماء أو كلهم - إلا النادر - عرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحر - وكفى فارقا بينهما ما تقدم ، ولو كان تعلمه واجبا لذلك لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك ، أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل ، أو أنه أخل به كما أخلوا « وأما ثالثا » فلأن ما نقل عن بعضهم غير صحيح ، لأن إفتاء المفتي بوجوب القود أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر لأن صورة إفتائه - على ما ذكره العلامة ابن حجر - إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالبا قتل الساحر . وإلا فلا - هذا وقد أطلق بعض العلماء
السِّحْرَ
على المشي بين الناس بالنميمة لأن فيها قلب الصديق عدوا والعدو صديقا ، كما أطلق على حسن التوسل باللفظ الرائق العذاب لما فيه من الاستمالة ، ويسمى سحرا حلالا ، ومنه قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « إن من البيان لسحرا » والقول بأنه مخرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة بعيد - وإن ذهب إليه عامر الشعبي راوي الحديث - وظاهر قوله تعالى :
يُعَلِّمُونَ
إلخ أنهم يفهمونهم إياه بالإقراء والتعليم ، وقيل : يدلونهم على تلك الكتب ، فأطلق على تلك الدلالة تعليما إطلاقا للسبب على المسبب ، وقيل : المعنى يوقرون في قلوبهم أنها حق تضر وتنفع ، وأن سليمان عليه السلام إنما تم له ما تم بذلك - والإطلاق عليه هو الإطلاق - وقيل :
يُعَلِّمُونَ
بمعنى
يُعَلِّمُونَ
من الإعلام وهو الإخبار ، أي يخبرونهم بما أو بمن يتعلمون به أو منه
السِّحْرَ
وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو « لكنّ » بالتشديد . وابن عامر وحمزة والكسائي - بالتخفيف وارتفاع ما بعدها بالابتداء والخبر - وهل يجوز إعمالها إذا خففت ؟ فيه خلاف ، والجمع على المنع - وهو الصحيح - وعن يونس والأخفش الجواز ، والصحيح أنها بسيطة « ومنهم » من زعم أنها مركبة من « لا » النافية - وكاف الخطاب - « وأن » المؤكدة المحذوفة الهمزة للاستثقال ، وهو إلى الفساد أقرب
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
المراد الجنس ، وهو عطف على
السِّحْرَ
وهما واحد إلا أنه نزل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات كما في قوله :
إلى الملك القرم وابن الهمام
البيت ، وفائدة العطف التنصيص بأنهم - يعلمون - ما هو جامع بين كونه سحرا وبين كونه منزلا
عَلَى الْمَلَكَيْنِ
للابتلاء ، فيفيد ذمهم بارتكابهم النهي بوجهين ، وقد يراد بالموصول المعهود - وهو نوع آخر أقوى - فيكون من عطف الخاص على العام إشارة إلى كماله ، وقال مجاهد : هو دون
السِّحْرَ
وهو - ما يفرّق به بين المرء وزوجه - لا غير والمشهور الأول ، وجوز العطف على
ما تَتْلُوا
فكأنه قيل : اتبعوا السحر المدوّن في الكتب وغيره ، وهذان الملكان أنزلا لتعليم
السِّحْرَ
ابتلاء من اللّه تعالى للناس ، فمن تعلم وعمل به كفر ، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان ، وللّه تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر ، وتمييزا بينه وبين المعجزة حيث إنه كثر في ذلك الزمان ، وأظهر السحرة أمورا غريبة وقع الشك بها في النبوة ، فبعث اللّه تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر حتى يزيلا الشبه ويميطا الأذى عن الطريق ، قيل : كان ذلك في زمن إدريس عليه السلام ، وأما ما روي أن الملائكة تعجبت من بني آدم في مخالفتهم ما أمر اللّه تعالى به ، وقالوا له تعالى : لو كنا مكانهم ما عصيناك ، فقال : اختاروا ملكين منكم ، فاختاروهما ، فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرين ، وألقى اللّه تعالى عليهما الشبق ، وحكما بين الناس ، فافتتنا بامرأة يقال لها زهرة ، فطلباها وامتنعت إلا أن يعبدا صنما ، أو يشربا خمرا ، أو يقتلا نفسا ففعلا ، ثم تعلمت منهما ما صعدت به إلى السماء ، فصعدت ومسخت هذا - النجم - وأرادا العروج فلم يمكنهما فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة - فاختارا عذاب الدنيا - فهما الآن يعذبان فيها ، إلى غير ذلك من الآثار التي بلغت طرقها نيفا وعشرين ، فقد أنكره جماعة منهم القاضي عياض ، وذكر أن ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت لم يرد منه شيء - لا سقيم ولا صحيح - عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم - وليس هو شيئا يؤخذ بالقياس - وذكر في البحر أن جميع ذلك لا يصح منه شيء ، ولم يصح أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان يلعن الزهرة ، ولا ابن عمر رضي اللّه تعالى
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 339 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية