تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
على حد ما قيل :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] فيؤول - إلى أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير - التعمير ، وصح ذلك مع أن التعمير يفيد رفع العذاب مدة البقاء ، لأن الإمهال بحسب الزمان وإن حصل ، لكنهم لاقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث الشدة فلم يؤثر في إزالته أدنى تأثير بل زاد فيه حيث استوجبوا بمقابلة
أَيَّاماً مَعْدُودَةً
[ البقرة : 80 ] عذاب الأبد
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
أي عالم بخفيات أعمالهم - فهو مجازيهم لا محالة - وحمل - البصر - على - العلم - هنا وإن كان بمعنى الرؤية صفة للّه تعالى أيضا لأن بعض الأعمال لا يصح أن يرى - على ما ذهب إليه بعض المحققين - وفي هذه الجملة من التهديد والوعيد ما هو ظاهر ، و « ما » إما موصولة أو مصدرية ، وأتى بصيغة المضارع لتواخي الفواصل ، وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب « تعلمون » - بالتاء - على سبيل الالتفات
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ
أخرج ابن أبي شيبة في مسنده ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم عن الشعبي ، أنه دخل عمر رضي اللّه تعالى عنه مدراس اليهود يوما فسألهم عن جبريل ، فقالوا : ذاك عدونا ، يطلع محمدا على أسرارنا ، وأنه صاحب كل خسف وعذاب ، وميكائيل صاحب الخصب والسلام . فقال : ما منزلتهما من اللّه تعالى ؟ قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره - وبينهما عداوة - فقال : لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ، ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدوا لأحدهما فهو عدو للّه . ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي ، فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « لقد وافقك ربك يا عمر » قال عمر : لقد رأيتني بعد ذلك أصلب من الحجر ، وقيل : نزلت في عبد اللّه بن صوريا - كان يهوديا من أحبار فدك - سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمن ينزل عليه فقال : « جبريل » فقال : ذاك عدونا عادانا مرارا ، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت‌نصر ، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل ، فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه ، وإلا فبم تقتلونه ؟ وصدقه الرجل المبعوث ورجع إلينا ، وكبر بختنصر وقوي وغزانا ، وخرّب بيت المقدس ، روى ذلك بعض الحفاظ ، وقال العراقي : لم أقف له على سند ، فلعل الأول أقوى منه - وإن أوهم صنيع بعضهم العكس - و
لِجِبْرِيلَ
علم ملك كان ينزل على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالقرآن ، وهو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ، وأبعد من ذهب إلى أنه مشتق من جبروت اللّه وجعله مركبا تركيب مزج من مضاف ومضاف إليه ، فمنعه من الصرف للعلمية ، والتركيب ليس بشيء لأن ما يركب هذا التركيب يجوز فيه البناء والإضافة ومنع الصرف . فكونه لم يسمع فيه الإضافة أو البناء دليل على أنه ليس من تركيب المزج ، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة ، أفصحها وأشهرها
لِجِبْرِيلَ
كقنديل ، وهي قراءة أبي عمرو . ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم . وهي لغة الحجاز ، قال ورقة بن نوفل :
« وجبريل » يأتيه وميكال معهما * من اللّه وحي يشرح الصدر منزل
الثانية كذلك إلا أنها - بفتح الجيم - وهي قراءة ابن كثير والحسن وابن محيصن . قال الفراء : لا أحبها لأنه ليس في الكلام فعليل - وليس بشيء - لأن الأعجمي إذا عربوه قد يلحقونه بأوزانهم - كلجام - وقد لا يلحقونه كإبريسم - وجبريل من هذا القبيل ، مع أنه سمع - سموأل - لطائر ، الثالث « جبرئيل » كسلسبيل ، وبها قرأ حمزة والكسائي وحماد عن أبي بكر عن عاصم ، وهي لغة قيس وتميم وكثير من أهل نجد ، وحكاها الفراء واختارها الزجاج ، وقال : هي أجود اللغات ، وقال حسان :
شهدنا فما يلقى لنا من كتيبة * مدى الدهر إلا « جبرئيل » أمامها
« الرابعة » كذلك إلا أنها بدون - ياء بعد الهمزة - وهي رواية يحيى بن آدم ، عن أبي بكر ، عن عاصم ، وتروى عن