تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
الإخفاء حينئذ إنما يدفع الاحتجاج بإقرارهم - لا بما فتح اللّه عليهم على أن المدفوع في الوجه الأول زيادة التوبيخ والفضيحة - لا المحاجة - وقيل :
عِنْدَ رَبِّكُمْ
بتقدير - من عند ربكم - وهو معمول لقوله تعالى :
بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
وهو مما لا ينبغي أن يرتكب في فصيح الكلام ، وجوز الدامغاني أن يكون
عِنْدَ
للزلفى أي
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ
متقربين إلى اللّه تعالى - وهو بعيد أيضا - كقول بعض المتأخرين : إنه يمكن أن تجعل المحاجة به عند الرب عبارة عن المباهلة في تحقق ما يحدثونه ، وعليه تكون المحاجة على مقتضى المفاعلة - وعندي - أن رجوع ضمير
بِهِ
لما فتح اللّه من حيث إنه محدث
بِهِ
وجعل القيد هو المقصود ، أو للتحديث المفهوم من
أَ تُحَدِّثُونَهُمْ
وحمل
عِنْدَ رَبِّكُمْ
على يوم القيامة ، والتزام أن الإخفاء يدفع هذا الاحتجاج ليس بالبعيد - إلا أن أحدا لم يصرح به - ولعله أولى من بعض الوجوه فتدبر
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
عطف إما على
أَ تُحَدِّثُونَهُمْ
- والفاء - لإفادة ترتب عدم عقلهم على تحديثهم ، وإما على مقدر أي ألا تتأملون فلا تعقلون ، والجملة مؤكدة لإنكار التحديث ، وهو من تمام كلام اللائمين ، ومفعوله إما ما ذكر أولا ، أولا مفعول له - وهو أبلغ - وقيل : هو خطاب من اللّه تعالى للمؤمنين متصل بقوله تعالى :
أَ فَتَطْمَعُونَ
والمعنى أفلا تعقلون حال هؤلاء اليهود وأن لا مطمع في إيمانهم ، وهم على هذه الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة ، ويبعده قوله تعالى :
أَ وَلا يَعْلَمُونَ
فإنه تجهيل لهم منه تعالى فيما حكي عنهم فيكون توسيط خطاب المؤمنين في أثنائه من قبيل الفصل بين الشجرة ولحائها على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين تعسفا ما ، وفي تعميمه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم سوء أدب - كما لا يخفى - والاستفهام فيه للإنكار مع التقريع لأن أهل الكتاب كانوا عالمين بإحاطة علمه تعالى والمقصود بيان شناعة فعلهم بأنهم يفعلون ما ذكر مع علمهم .
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
وفيه إشارة إلى أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية أعظم وزرا - والواو - للعطف على مقدر ينساق إليه الذهن - والضمير للموبخين - أي أيلومونهم على التحديث المذكور مخافة المحاجة ولا يعلمون ما ذكر ، وقيل : الضمير للمنافقين فقط ، أو لهم وللموبخين ، أو لآبائهم المحرفين ، والظاهر حمل ما في الموضعين على العموم ويدخل فيه الكفر الذي أسروه ، والإيمان الذي أعلنوه ، واقتصر بعض المفسرين عليهما ، وقيل : العداوة والصداقة ، وقيل : صفته صلى اللّه تعالى عليه وسلم التي في التوراة المنزلة والصفة التي أظهروها افتراء على اللّه تعالى ، وقدم سبحانه الإسرار على الإعلان ، إما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب يتعلق به الإسرار غالبا ، فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية ، وإما للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر ، وإما للمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع الأشياء كان علمه بما يسرون أقدم منه بما يعلنونه مع كونهما - في الحقيقة - على السوية ، فإن علمه تعالى ليس بطريق حصول الصورة ، بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى ، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة ولا الكامنة ، وعكس الأمر في قوله تعالى :
إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
[ البقرة : 284 ] لأن الأصل فيما تتعلق المحاسبة به هو الأمور البادية دون الخافية ، وقرأ ابن محيصن « أو لا تعلمون » - بالتاء - فيحتمل أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين أو خطابا لهم ، ثم إنه تعالى أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة إهمالا لهم ، ويكون ذلك من باب الالتفات .
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ
مستأنفة مسوقة لبيان قبائح جهلة اليهود أثر بيان شنائع الطوائف السالفة ، وقيل : عطف على
قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
وعليه الجمع ، وقيل : على
وَإِذا لَقُوا
واختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه اعتراض وقع في البين لبيان أصناف اليهود استطرادا لأولئك المحرفين ، و « الأميون » جمع - أمي -
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 301 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية