تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
تبديل الذي إلخ ، و
الَّذِي
مفعول
تَسْتَبْدِلُونَ
وهو الحاصل ، و
الَّذِي
دخلت عليه الباء هو الزائل ، وهو
أَدْنى
صلة
الَّذِي
وهو هنا واجب الإثبات - عند البصريين - إذ لا طول ، و
أَدْنى
إما من الدنو أو مقلوب من الدون ، وهو على الثاني ظاهر ، وعلى الأول مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد للشرف ، فقيل : بعيد المحل بعيد الهمة ، ويحتمل أن يكون مهموزا من الدناءة ، وأبدلت فيه - الهمزة ألفا - ويؤيده قراءة زهير والكسائي « أدنأ » بالهمزة ، وأريد
بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
الْمَنَّ وَالسَّلْوى
ومعنى خيرية هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته ، والنفع الجليل في تناوله ، وعدم الكلفة في تحصيله ، وخلوه عن الشبهة في حله
اهْبِطُوا مِصْراً
جملة محكية بالقول كالأولى ، وإنما لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكي لأن الأولى خبر معنى ، وهذه ليست كذلك ، ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الاستبدال ، هذا إذا جعل الجملتان من كلام اللّه تعالى أو كلام موسى ، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من اللّه تعالى ، فوجه الفصل ظاهر ، والوقف على خير كاف « على الأول » وتام « على الثاني » والهبوط يجوز أن يكون مكانيا بأن يكون التيه أرفع من المصر ، وأن يكون رتبيا ، وهو الأنسب بالمقام ، وقرئ
اهْبِطُوا
بضم الهمزة والباء - والمصر - البلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين ، قال :
وجاعل الشمس ( مصرا ) لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا
وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود ، وأخذه من مصرت الشاة أمصرها - إذا حلبت كل شيء في ضرعها - بعيد ، وحكي عن أشهب أنه قال : قال لي مالك : هي مصر قريتك مسكن فرعون - فهو إذا علم - وأسماء المواضع قد تعتبر من حيث المكانية فتذكر ، وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث ، فهو - إن جعل علما - فإما باعتبار كونه بلدة ، فالصرف مع العلمية ، والتأنيث لسكون الوسط ، وإما باعتبار كونه - بلدا - فالصرف على بابه ، إذ الفرعية الواحدة لا تكفي في منعه ، ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي اللّه تعالى عنه أنه في مصحف ابن مسعود « مصر » بلا - ألف بعد الراء - ويبعده أن الظاهر من التنوين التنكير ، وأن قوله تعالى :
ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ
[ المائدة : 21 ] يعني الشام التي كتب اللّه تعالى لكم للوجوب - كما يدل عليه عطف النهي - وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى ، وأن يكون الأمر بالهبوط مقصورا على بلاد التيه - وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين - ومن الناس من جعل مصر معرب - مصرائيم - كاسرائيل اسم لأحد أولاد نوح عليه السلام - وهو أول من اختطها - فسميت باسمه ، وإنما جاز الصرف حينئذ لعدم الاعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فافهم وتدبر
فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ
تعليل للأمر بالهبوط ، وفي البحر أنها جواب للأمر - وكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة - وفي ذلك محذوفان ما يربط الجملة بما قبلها ، والضمير العائد على
ما
والتقدير ، فإن لكم فيها ما سألتموه ، والتعبير عن الأشياء المسئولة ب
ما
للاستهجان بذكرها ، وقرأ النخعي ويحيى
سَأَلْتُمْ
بكسر السين * .
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
أي جعل ذلك محيطا بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه ، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين ، و
ضُرِبَتْ
استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم ، وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين ، وذلك بما ضرب عليهم من الجزية التي يؤدونها عن يد وهم صاغرون ، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم ، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ذلك مما تراه في اليهود اليوم ، وهذا الضرب مجازاة لهم
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 276 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية