تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة ، فكأنهم قالوا : ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به إلينا ، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك .
يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها
المراد - بالإخراج - المعنى المجازي اللازم للمعنى الحقيقي ، وهو الإظهار بطريق الإيجاد - لا بطريق إزالة الخفاء - والحمل على المعنى الحقيقي يقتضي مخرجا عنه ، وما يصلح له هاهنا هو
الْأَرْضُ
وبتقديره يصير الكلام سخيفا ، و
يُخْرِجْ
مجزوم لأنه جواب الأمر ، وجزمه - بلام الطلب - محذوفة لا يجوز عند البصريين ، و
مِنْ
الأولى تبعيضية أي مأكولا بعض ما
تُنْبِتُ
وادعى الأخفش زيادتها - وليس بشيء - وما موصولة والعائد محذوف ، أي تنبته ، وجعلها مصدرية لم يجوزه أبو البقاء - لأن المقدر جوهر - ونسبة - الإنبات - إلى
الْأَرْضُ
مجاز من باب النسبة إلى القابل . وقد أودع اللّه تعالى في الطبقة الطينية من الأرض - أو فيها - قوة قابلة لذلك ، وكون القوة القابلة مودعة في الحب دون التراب ربما يفضي إلى القول بقدم الحب بالنوع ، و
مِنْ
الثانية بيانية ، فالظرف مستقر واقع موقع الحال ، أي كائنا من
بَقْلِها
. وقال أبو حيان : تبعيضية واقعة موقع البدل من كلمة ما فالظرف لغو متعلق
يُخْرِجْ
وعلى التقديرين - كما قال الساليكوتي - يفيد أن المطلوب إخراج بعض هؤلاء ، ولو جعل بيانا لما أفاده
مِنْ
التبعيضية - كما قاله المولى عصام الدين - لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة ، وأوهم أن المطلوب إخراج جميع هؤلاء لعدم العهد - والبقل - جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والإنعام ، والمراد به هنا أطايب البقول التي يأكلها الناس - والقثاء - هو هذا المعروف ، وقال الخليل : هو الخيار ، وقرأ يحيى بن وثاب وغيره - بضم القاف - وهو لغة - والفوم - الحنطة - وعليه أكثر الناس - حتى قال الزجاج : لا خلاف عند أهل اللغة أن - الفوم - الحنطة ، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم - الفوم - وقال الكسائي وجماعة : هو الثوم ، وقد أبدلت - ثاؤه فاء - كما في - جدث وجدف - وهو بالبصل والعدس أوفق - وبه قرأ ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه - ونفس شيخنا - عليه الرحمة - إليه تميل ، والقول بأنه الخبز يبعده الإنبات من
الْأَرْضُ
وذكره مع البقل وغيره وما في المعالم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما من أن - الفوم - الخبز يمكن توجيهه بأن معناه أنه يقال عليه ، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أولا ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة - وهو البقل - إذ منه ما هو بارد رطب - كالهندبا - ومنه ما هو حار يابس - كالكرفس والسذاب - ومنه ما هو حار وفيه رطوبة ، كالنعناع « وثانيا » ما هو بارد رطب - وهو القثاء - « وثالثا » ما هو حار يابس - وهو الثوم - « ورابعا » ما هو بارد يابس - وهو العدس - « وخامسا » ما هو حار رطب - وهو البصل - وإذا طبخ صار باردا رطبا عند بعضهم ، أو يقال : إنه ذكر أولا ما يؤكل من غير علاج نار ، وذكر بعده ما يعالج به مع ما ينبغي فيه ذلك ويقبله .
قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر ، كأنه قيل : فما ذا قال لهم ؟ فقيل قال :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ
إلخ ، والقائل إما اللّه تعالى على لسان موسى عليه السلام ، ويرجحه كون المقام مقام تعداد النعم ، أو موسى نفسه - وهو الأنسب بسياق النظم - والاستفهام للإنكار ، والاستبدال الاعتياض . « فإن قلت » كونهم لا يصبرون
عَلى طَعامٍ واحِدٍ
افهم طلب ضم ذلك إليه - لا استبداله به - أجيب بأن قولهم :
لَنْ نَصْبِرَ
يدل على كراهتهم ذلك الطعام ، وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال ، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها ، وقيل : إنهم طلبوا ذلك ، وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع عنهم ( المن والسلوى ) فلا يجتمعان ، وقيل : الاستبدال في المعدة - وهو كما ترى - وقرأ أبيّ - أتبدلون - وهو مجاز ، لأن التبديل ليس لهم - إنما ذلك إلى اللّه تعالى - لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين ، وكان المعنى أتسألون