تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
فَتابَ عَلَيْكُمْ
جواب شرط محذوف بتقدير - قد - إن كان من كلام موسى عليه السلام لهم ، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد « تاب عليكم » ومعطوف على محذوف - إن كان خطابا من اللّه تعالى لهم ، كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم
فَتابَ عَلَيْكُمْ
بارئكم وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى عليه السلام بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة ، أو من التكلم إلى الغيبة في
فَتابَ
حيث لم يقل : فتبنا ، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب ، وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال ، وظاهر الآية كونها إخبارا عن المأمورين بالقتل الممثلين ذلك وقال ابن عطية : جعل اللّه تعالى - القتل - لمن - قتل - شهادة و « تاب » عن الباقين و « عفا » عنهم ، فمعنى
عَلَيْكُمْ
عنده ، على باقيكم
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
تذييل لقوله تعالى :
فَتُوبُوا
فإن التوبة بالقتل - لما كانت شاقة على النفس هونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها ، أو تذييل لقوله تعالى :
فَتابَ عَلَيْكُمْ
وتفسر « التوبة » منه تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين - والتأكيد لسبق الملوح - أو للاعتناء بمضمون الجملة ، والضمير المنصوب إن كان ضمير لشأن - فالضمير المرفوع مبتدأ - وهو الأنسب لدلالته على كمال الاعتناء بمضمون الجملة ، وإن كان راجعا إلى البارئ سبحانه فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ ، هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل - فلا يتخذه إلها - أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ، وأن اللّه سبحانه قد خلق نفسه في أصل لفطرة مستعدة لقبول فيض اللّه تعالى والدين القويم ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم ، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس ، وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب ، والفرقان الذي يهتدي بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب ، فمتى أخلدت النفس إلى الأرض واتبعت هواها ، وآثرت شهواتها على مولاها ، أمرت بقتلها بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء ، والصحو بعد المحو ، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية ، وهذا هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر .
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ، ورجال الصدق ، وإليه الإشارة ، ب ( موتوا ) قبل أن تموتوا . وقيل : أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات ، وقطعها عن الملاذ ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ومعارج المقربين - هيهات هيهات - ذاك بمعزل عنا ، ومناط الثريا منا
تعالوا نقم مأتما للهموم * فإن الحزين يواسي الحزينا
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ
القائل هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات التوراة ، قيل : قالوه بعد الرجوع ، وقتل عبدة العجل ، وتحريق عجلهم ، ويفهم من بعض الآثار أن القائل أهل الميقات الثاني الذي ضربه اللّه تعالى للاعتذار عن عبدة العجل - وكانوا سبعين أيضا ، وقيل : القائل عشرة آلاف من قومه ، وقيل : الضمير لسائر بني إسرائيل - إلا من عصمه اللّه تعالى - وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في الأعراف ما ينفعك هنا - واللام - من ( لك ) إما - لام الأجل - أو للتعدية بتضمين معنى الإقرار على أن
مُوسى
مقرّ له والمقر به محذوف ، وهو أن اللّه تعالى أعطاه التوراة ، أو أن اللّه تعالى كلمه فأمره ونهاه ، وقد كان هؤلاء مؤمنين - من قبل - بموسى عليه السلام ، إلا أنهم نفوا هذا الإيمان المعين والإقرار الخاص . وقيل : أرادوا نفي الكمال أي لا يكمل إيماننا لك ، كما قيل في قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه » والقول إنهم لم يكونوا مؤمنين أصلا لم نره لأحد من أئمة التفسير .
حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
حَتَّى
هنا حرف غاية ، و ( الجهرة ) في الأصل مصدر جهرت بالقراءة - إذا رفعت
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 262 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية