تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أنفسهم لسخط اللّه تعالى ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها - وهو مثل في الغباوة والبلادة - وقرأ أبو عمرو
بارِئِكُمْ
بالاختلاس ، وروي عنه - السكون - أيضا وهو من إجراء المتصل من كلمتين مجرى المنفصل من كلمة ، وللناس في تخريجه وجوه لا تخلو عن شذوذ .
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
الفاء للتعقيب ، والمتبادر من « القتل » القتل المعروف من إرهاق الروح - وعليه جمع من المفسرين - والفعل معطوف على سابقه ، فإن كانت توبتهم هو « القتل » إما في حقهم خاصة ، أو توبة المرتد مطلقا في شريعة موسى عليه السلام ، فالمراد بقوله تعالى :
فَتُوبُوا
اعزموا على التوبة - ليصح العطف - وإن كانت هي الندم و « القتل » من متمماتها - كالخروج عن المظالم في شريعتنا - فهو على معناه ولا إشكال ، وقد يقال : إن التوبة جعلت لهؤلاء عين « القتل » ولا حاجة إلى تأويل « توبوا » باعزموا ، بل تجعل - الفاء - للتفسير - كما تجعل الواو له - وقد قيل به في قوله تعالى :
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ
[ الأعراف : 36 ] وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه ، وفي بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضا ، فمعنى « اقتلوا أنفسكم » حينئذ ، ليقتل بعضكم بعضا ، كما في قوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[ النساء : 29 ]
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
[ الحجرات : 11 ] والمؤمنون كنفس واحدة ، وروي أنه أمر من لم يعبد
الْعِجْلَ
أن يقتل من عبده ، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل ، وسمي الاستسلام للقتل قتلا على سبيل المجاز ، والقاتل إما غير معين ، أو الذين اعتزلوا مع هارون عليه السلام ، والذين كانوا مع موسى عليه السلام ، وفي كيفية ( القتل ) أخبار لا نطيل بذكرها ، وجملة القتلى سبعون ألفا ، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشفار من أيديهم ، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون اللّه تعالى أمر بني إسرائيل - بقتل أنفسهم - وقال : لا يجوز ذلك عقلا - إذ الأمر لمصلحة المكلف - وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة ، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقا - بأمره نستبقيها ، وبأمره نفنيها - وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو ، حياة سرمدية وبهجة أبدية . وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها ، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا - كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه ، ووال في بلد يسوسه - وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه ، أو يأمر غيره بإخراجه - وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة ، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما ، ومن الناس من جوز ذلك - إلا أنه استبعد وقوعه - فقال : معنى « اقتلوا أنفسكم » ذللوا ، ومن ذلك قوله :
إن التي عاطيتني فرددتها * « قتلت قتلت » فهاتها لم تقتل
ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا . ونقل عن قتادة أنه قرأ « فأقيلوا أنفسكم » والمعنى أن
أَنْفُسَكُمْ
قد تورطت في عذاب اللّه تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه ، وقد هلكت - فأقيلوها - بالتوبة والتزام الطاعة ، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات .
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ
جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معللة ، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم ، و
خَيْرٌ
أفعل تفضيل حذفت همزته ، ونطقوا بها في الشعر قال الراجز :
بلال خير الناس وابن الأخير
وقد تأتي - ولا تفضيل - والمعنى أن
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
من العصيان والإصرار على الذنب - أو خير من ثمرة العصيان ، وهو الهلاك الدائم ، والكلام - على حد العسل - أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم . والعندية هنا مجاز ، وكرر البارئ بلفظ الظاهر اعتناء بالحث على التسليم له في كل حال ، وتلقي ما يرد من قبله والقبول والامتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحا فأنشأ رأى الإعدام راجحا ، فأمر به وهو العليم الحكيم .