تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
أخرى ، ومنه السوم في البيع ، ويقال : سامه كلفه العمل الشاق ، و - السوء - مصدر ساء يسوء ، ويراد به السيئ ، ويستعمل في كل ما يقبح - كأعوذ باللّه تعالى من سوء الخلق و
سُوءَ الْعَذابِ
أفظعه وأشده بالنسبة إلى سائره ، وهو منصوب على المفعولية ل
يَسُومُونَكُمْ
بإسقاط حرف الجر أو بدونه ، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة ، وهي حكاية حال ماضية ، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من ضمير
نَجَّيْناكُمْ
أو
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
، وهو الأقرب ، والمعنى يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة ، والأمور الفظيعة أو يرسلونكم إليها ويصرفونكم فيها أو يبغونكم سوء العذاب المفسر بما بعده . وقد حكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا ، وصنفهم في الأعمال - فصنف يبنون ، وصنف يحرثون ، وصنف يخدمون - ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم ، ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها غلت يده إلى عنقه شهرا ، وجعل النساء يغزلن الكتان ، وينسجن
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
جملة حالية أو استئنافية كأنه قيل : ما الذي ساموهم إياه ، فقال :
يُذَبِّحُونَ
إلخ ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى :
يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ
[ الفرقان : 68 ، 69 ] ، وقيل : بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم ، والمحققون على الفرق ، وحملوا
سُوءَ الْعَذابِ
فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح ، وعطف للتغاير ، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق
وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[ إبراهيم : 5 ] ، وهو يقتضي التعداد ، وليس هنا ما يقتضيه ، والأبناء الأطفال الذكور ، وقيل : إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل ، وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبي ، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج ؛ والتجمع لإفساد أمره ، والمشهور حمل الأبناء على الأول ، وهو المناسب المتبادر ، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
[ الأحزاب : 38 ] وقرأ الزهري وابن محيض « يذبحون » مخففا ، وعبد اللّه « يقتّلون » مشددا
وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
عطف على
يُذَبِّحُونَ
أي يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات ، وقيل : يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل - والحياء الفرج - لأنه يستحى من كشفه ، والنساء جمع المرأة ، وفي البحر إنه تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة ، وزعم ابن السراج أنه اسم جمع ، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه ، وهي في الأصل البالغات دون الصغائر ، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساء لخدمتهم ، وعلى الثاني في تغليب البالغات على الصغائر ، وعلى الثالث حقيقة ، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور .
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
إشارة إلى التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء ، وجمع الضمير للمخاطبين ، ويجوز أن يشار ب
ذلِكُمْ
إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار ، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري مجراه مع العباد على المشهور ، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا ، وتارة بالمضار ليصبروا ، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا - فإن حملت الإشارة على المعنى الأول - فالمراد بالبلاء المحنة ، وإن على الثاني فالمراد به النعمة ، وإن على الثالث فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع بينهما ، ويرجح الأول التبادر ، والثاني أنه في معرض الامتنان ، والثالث لطف جمع الترغيب والترهيب ؛ ومعنى
مِنْ رَبِّكُمْ
من جهته تعالى إما بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم أو بهما جميعا ، و
عَظِيمٌ
صفة بلاء وتنكيرهما للتفخيم ، والعظم بالنسبة للمخاطب ، والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئا « ومن باب الإشارة » والتأويل
وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ
من قوى فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها . والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود ، ومصر مدينة البدن المستعبدة ، وهي وقواها من الوهم ، والخيال والغضب ، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة اللّه تعالى يعقوب الروح ، والقوى الطبيعية
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 255 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية