تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
رحم اللّه أعظما دفنوها * بسجستان طلحة الطلحات
في رواية من خفض طلحة ، والبصريون لا يجوّزون حذف المضاف ، وترك المضاف إليه على خفضه ، ويقولون بشذوذ ما ورد من ذلك ، وقرأ أبو سرار « لا تجزي نسمة عن نسمة » وهي بمعنى النفس .
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ
الشفاعة - كما في البحر - ضم غيره إلى وسيلته - وهي من الشفع ضد الوتر - لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب - فيصير شفعا بعد أن كان فردا - و « العدل » الفدية ، قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، وروي عنه أيضا - البدل - أي رجل مكان رجل ، وأصل « العدل » - بفتح العين - ما يساوي الشيء - قيمة وقدرا - وإن لم يكن من جنسه - وبكسرها - المساوي في الجنس والجرم ، ومن العرب من يكسر - العين - من معنى الفدية ، وذكر الواحدي أن
عَدْلٌ
الشيء - بالفتح والكسر - مثله ، وأنشد قول كعب بن مالك :
صبرنا لا نرى للّه « عدلا » * على ما نابنا متوكلينا
وقال ثعلب : العدل الكفيل والرشوة - ولم يؤثر في الآية - والضميران المجروران - بمن - إما راجعان إلى النفس الثانية لأنها أقرب مذكور ولموافقته لقوله تعالى :
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
ولأنه المتبادر من قوله :
وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ
ومعنى عدم قبول الشفاعة حينئذ أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها وإما إلى الأولى لأنها المحدث عنها ، والثانية فضلة ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم تقبل شفاعتها ، وحينئذ معنى عدم - أخذ العدل - من الأولى أنه لو أعطى عدلا من الثانية لم يؤخذ ، وكأن في الآية على هذا نوعا من الترقي ارتكب هنا وإن لم يرتكب في مقام آخر كأنه قيل : إن النفس الأولى لا تقدر على استخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشغولة عنها بشأنها ، ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها ، وإن زادت عليه بأن ضمت الفداء فلا يؤخذ منها ، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة - وأنى لها ذلك - فلا تتمكن منه ، واختار الكواشي جعل الضمير الأول للنفس الأولى ، والثاني للثانية على اللف والنشر لما فيه من إجراء الجملتين على المعنى الظاهر منهما ، ويهوّن أمر التفكيك الاتضاح ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو - ولا تقبل - بالتاء ، وسفيان
يُقْبَلُ
بفتح الياء ، ونصب
شَفاعَةٌ
على البناء للفاعل ، وفيه التفات من ضمير المتكلم في
نِعْمَتِيَ
إلخ إلى ضمير الغائب وبناؤه للمفعول أبلغ .
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
النصر في الأصل المعونة ، ومنه أرض منصورة ممدودة بالمطر ، والمراد به هنا ما يكون بدفع الضرر - أي ولا هم يمنعون من عذاب اللّه عزّ وجل - والضمير راجع إلى ما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة فيكون من قبيل ما تقدم ذكره معنى بدلالة لفظ آخر ، وإما إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة كما قيل في قوله تعالى :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
[ الحاقة : 47 ] وأتى به مذكرا لتأويل النفوس بالعباد والأناسي ، وفيه تنبيه على أن تلك النفوس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى ، وأنهم ناس كسائر الناس في هذا الأمر ، وعوده إلى النفسين بناء على أن التثنية جمع ليس بشيء ، وجعل النفي - منسحبا على جملة اسمية للتقوى ، ورفع
هُمْ
على الابتداء والجملة بعده خبره ، وجعله مفعولا لما لم يسم فاعله والفعل بعده مفسّر فتوافق الجمل - لا أوافق على اختياره - وإن ذهب إليه بعض الأجلة - وتمسك المعتزلة بعموم الآية ، على نفي الشفاعة لأهل الكبائر - وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم - لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ ، وأجيب بالتخصيص من وجهين ، الأول بحسب المكان والزمان فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة وطول ، ولعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته ثم يأذن بالشفاعة ، وقد قيل : مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى :
فَلا
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 253 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية