59 - فيما أجاب أمير المؤمنين عليه السلام اليهودي الّذي سأل عمّا ابتلي به عليه السلام وهو من علامات الأوصياء .
فقال عليه السلام : أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود ! فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامّة أحد آنس به ، أو أعتمد عليه ، أو أستنيم إليه ، أو أتقرّب به غير رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ، هو ربّاني صغيراً ، وبوّأني كبيراً ، وكفاني العيلة ، وجبرني من اليتم ، وأغناني عن الطلب ، ووقاني المكسب ، وعال لي النفس والولد والأهل ، هذا في تصاريف أمر الدنيا ، مع ما خصّني به من الدرجات الّتي قادتني إلى معالي الحظوة عند اللَّه عز و جل .
فنزل بي من وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به ، فرأيت الناس من أهل بيتي بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به ، قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه و بين الفهم والإفهام والقول والاستماع ، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزي يأمر بالصبر ، و بين مساعد باك لبكائهم ، جازع لجزعهم .
وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت ، والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ، ووضعه في حفرته ، وجمع كتاب اللَّه ، وعهده إلى خلقه لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ، ولا هائج زفرة ، ولا لاذع حرقة ، ولا جزيل مصيبة حتّى أديت في ذلك الحق الواجب للَّهعز و جل ولرسوله صلى الله عليه و آله عليّ ، وبلغت منه الّذي أمرني به ، واحتملته صابراً محتسباً .
ثمّ التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟
قالوا : بلى يا أمير المؤمنين ! « 1 »
هامش
( 1 ) - الخصال : 2 / 17 ، بحار الأنوار : 22 / 511 الحديث 11 .