ولم تستقرّ له فيها دعوة ، وأجمع القوم على الفتك به ، حتّى جاءه الوحي من ربّه ، فقال له جبرئيل عليه السّلام : « إنّ اللّه عزّ وجلّ يقرئك السّلام ، ويقول لك : اخرج عن مكّة فقد مات ناصرك » .
فخرج - النبيّ - هاديا مستخفيا بخروجه ، وبيّت أمير المؤمنين - عليّ - بدلا منه على فراشه . فبات موقيا له بنفسه ، ومسالكا بذلك منهاج أبيه عليه السّلام في ولايته ونصرته ، وبذل النفس دونه .
النتيجة :
كلّ المسلمين من السنّة والشيعة مجمعون على أنّ أبا طالب كفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وآواه في منزله ، وحماه من المشركين . والحال أنّنا لو جمعنا هذه الصغرى اليقينيّة مع الكبرى القرآنية :
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
« 1 » ، فعن طريق القياس البرهاني نتوصّل إلى : أنّ أبا طالب مؤمن حقيقة وواقعا .
[ الدليل الثاني : امر النبي صلي الله علي وآله لعلي عليه السلام في تغسيل أبي طالب وتكفينه وتدفينه ]
الدليل الثاني : وممّا يؤيّد ما ذكرناه من إيمان أبي طالب ، رضي اللّه تعالى عنه ، ويزيد بيانا ، أنّه لمّا قبض أبو طالب رحمه اللّه ، أتى أمير المؤمنين عليه السّلام ، رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فآذنه بموته ، فتوجّع لذلك النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وقال : « إمض يا عليّ ! فتولّ غسله وتكفينه وتحنيطه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني » .
ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السّلام ، فلمّا رفعه على السرير اعترضه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فرقّ له ، وقال : « وصلتك رحم « 2 » ، وجزيت خيرا ، فلقد ربّيت وكفلت صغيرا ،
هامش
( 1 ) - الأنفال : 74 .
( 2 ) - « وصلتك رحم » : قال العلّامة المجلسي : « قوله صلّى اللّه عليه وآله : وصلتك رحم أي : صارت الرحم -