فإنّ الظاهر أنّه لم يسأل عمّن يرجع إليه في تعلّم حكم الفتوى ، أو نقل الرواية ؛ فإنّه كان معلوماً لدى أصحاب الأئمّة من قبل ، فلم يكن يخفى على إسحاق ؛ فالمراد بالحوادث هي الأمور التي ينبغي أن يرجع العامّة فيها إلى رؤسائهم ، وأن يتصدّى له والى القوم والحاكم عليهم .
وبعبارة أخرى : هي الأمور العامّة المطلوبة للشارع ، غير المأخوذة على شخصٍ خاصّ من الرعيّة ، كتصرّف زيد في أموال ولده ؛ ولا على جميع الناس ، كبعض مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وذلك نظير تولّي الأوقاف العامّة ، والتصرّف في أموال القاصرين ، وإجراء الحدود ، وإجبار الممتنع عن تأدية حقّه ، والتصرّف في الأراضي الخراجيّة ، وأخذ الزكوات وإيصالها إلى مستحقّيها ، وغير ذلك من الأمور التي كانت الولاية فيها للإمام عليه السلام .
فيعلم من إرجاع عامّة الناس إلى الرواة في أمر تلك الحوادث وجعلهم حجّة عليهم من قِبله أنّه عليه السلام أقامهم مقامَ نفسه فيما يرجع إليه عليه السلام ، وأنّ لهم أيضاً ولاية على تلك الحوادث ، وهم المرجع فيها ، وإن استلزم ذلك ولاية على النفوس أيضاً أحياناً .
ففيما نحن فيه يكون قضيّة التصرّف في حصّة الإمام الذي غاب ، ولم يوكل أحداً في قبض ماله داخلة تحت عنوان الحوادث ، فيرجع فيها إلى الفقيه .
هذا ما تيسّر لنا من تقريب دلالة الخبر على المطلب ، وفقاً لما قرّره عدّة من المحقّقين ، إلّاأنّه يشكل ذلك بتمشّي احتمال آخر فيه قريب ، وهو أنّ الإرجاع إنّما هو في أحكام الحوادث الواقعة ، فالخبر من أدلّة جواز التقليد ، أو حجّيّة نقل الحديث ، لا من أدلّة إعطاء الولاية للفقيه .
وما ذكره الشيخ الأعظم من الوجوه لدفع هذا الاحتمال لا يسمن ولا يغني ؛ فراجع كلمات المحشّين لكتابه .
ومنها : ما في مقبولة عمر بن حنظلة ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : سألته عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث ، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة ، أيحلّ ذلك ؟ قال عليه السلام :
« من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطل ، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت -
رساله هاى فقهى و اصولى — صفحة 70
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٧٠