تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
أي بعد هذه الحادثة استفاد من الوسائل المهمة التي كانت تحت تصرفه ومضى في سفره حتى وصل إلى موضع بين جبلين : حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا . والآية إشارة إلى أنه وصل إلى منطقة جبلية ، وهناك وجد أناسا ( غير المجموعتين اللتين عثر عليهما في الشرق والغرب ) كانوا على مستوى دان من المدنية ، لأن الكلام أحد أوضح علائم التمدن لدى البشر . البعض احتمل أن جملة لا يكادون يفقهون قولا لا تعني أنهم لم يكونوا يعرفون اللغات ، بل كانوا لا يفهمون محتوى الكلام ، أي كانوا متخلفين فكريا . أما عن مكان الجبل والجوانب التأريخية والجغرافية لهذه الحادثة ، وسنذكر في نهاية البحث التفسيري ، حديثا مفصلا عن ذلك . في هذه الأثناء اغتنم هؤلاء القوم مجئ ذي القرنين ، لأنهم كانوا في عذاب شديد من قبل أعدائهم يأجوج ومأجوج ، لذا فقد طلبوا العون منه قائلين : قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا . قد يكون كلامهم هذا تم عن طريق تبادل العلامات والإشارات ، لأنهم لا يفهمون لغة ذي القرنين ، أو أنهم تحدثوا معه بعبارات ناقصة لا يمكن الاعتداد بها . ويحتمل أن يكون التفاهم بينهم تم عن طريق المترجمين ، أو بأسلوب الإلهام الإلهي ، مثل تحدث بعض الطيور مع سليمان ( عليه السلام ) . في كل الأحوال ، يمكن أن نستفيد من الآية الشريفة أن تلك المجموعة من الناس كانت ذات وضع جيد من حيث الإمكانات الاقتصادية ، إلا أنهم كانوا ضعفاء في المجال الصناعي والفكري والتخطيطي ، لذا فقد تقبلوا بتكاليف بناء هذا السد المهم ، بشرط أن يتكفل ذو القرنين ببنائه وهندسته .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 356 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي