والأرض .
والمجتمع الإنساني الذي هو جزء صغير في كيان هذا الوجود الكبير ، لا
يقوى أن يخرج عن قانون العدل ، ولا يمكن تصور مجتمع ينشد السلام يحظى
بذلك دون أن تستند أركان حياته على أسس العدل في جميع المجالات .
ولما كان المعنى الواقعي للعدل يتجسد في جعل كل شئ في مكانه المناسب ،
فالانحراف والإفراط والتفريط وتجاوز الحد والتعدي على حقوق الآخرين ، ما
هي إلا صور لخلاف أصل العدل .
فالإنسان السليم هو ذلك الذي تعمل جميع أعضاء جسمه بالشكل الصحيح
( بدون أية زيادة أو نقصان ) . ويحل المرض فيه وتتبين عليه علائم الضعف
والخوار بمجرد تعطيل أحد الأعضاء ، أو تقصيره في أداء وظيفته .
ويمكن تشبيه المجتمع ببدن إنسان واحد ، فإنه سيمرض ويعتل إن لم يراع
فيه العدل .
ومع ما للعدالة من قدرة وجلال وتأثير عميق في كل الأوقات - الطبيعية
والاستثنائية - في عملية بناء المجتمع السليم ، إلا أنها ، ليست العامل الوحيد الذي
يقوم بهذه المهمة ، ولذلك جاء الأمر ب " الإحسان " بعد " العدل " مباشرة ومن غير
فاصلة .
وبعبارة أوضح : قد تحصل في حياة البشرية حالات حساسة لا يمكن معها
حل المشكلات بالاستعانة بأصل العدالة فقط ، وإنما تحتاج إلى إيثار وعفو
وتضحية ، وذلك ما يتحقق برعاية أصل " الإحسان " .
وعلى سبيل المثال : لو أن عدوا غدارا هجم على مجتمع ما ، أو وقعت زلزلة
أو فيضان أو عواصف في بعض مناطق البلاد ، فهل من الممكن معالجة ذلك
بالتقسيم العادل لجميع الطاقات والأموال ، وتنفيذ سائر القوانين العادية ؟ ! هنا لابد
من تقديم التضحية والبذل والإيثار لكل من يملك القدرة المالية ، الجسمية ،
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 300
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٠٠