العالم القادر جل وعلا ، وهو حق أيضا ، بل هو حقيقة الحق ، وكل حق بما هو متصل
بوجوده المطلق فهو حق ، وكل شئ لا يرتبط به سبحانه فهو باطل . . وهذا ما
يخص التوحيد أما في المعاد فيقول : وإن الساعة لآتية . . وإن تأخرت فإنها
آتية بالنتيجة .
ولا يبعد أن تكون الفقرة الأولى بمنزلة الدال على الفقرة الثانية ، لأن هذا
العالم إنما يكون حقا عندما يكون لهذه الأيام الدنيوية المليئة بالآلام والمتاعب
هدف عال يبرر خلق هذا الوجود الكبير - فليست الدنيا لنحياها وتنتهي - ولهذا
فمسألة خلق السماوات والأرض وما بينهما حق يدل على وجود يوم القيامة
والحساب ، وإلا لكان الخلق عبثا وليس حقا - فتأمل .
وبعد ذلك . . يأمر الله تعالى نبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقابل عناد قومه وجهلهم
وتعصبهم وعداءهم بالمحبة والعفو وغض النظر عن الذنوب ، والصفح عنهم
بالصفح الجميل ، أي غير مصحوب بملامة فاصفح الصفح الجميل .
لأنك تملك الدليل الواضح على ما أمرت بالدعوة إليه ، فلا تحتاج وإياهم إلى
الخشونة لتثبيت عقيدة المبدأ والمعاد في قلوب الناس ، فالعقل والمنطق السليم
معك .
بالإضافة إلى أن الخشونة مع الجهلة غالبا ما تؤدي بهم إلى الرد بالمثل ، بل
وبأشد من ذلك .
الصفح : هو وجه كل شئ ، كوجه الصورة ( 1 ) ، ولهذا فقد جاءت كلمة
" فاصفح " بمعنى أدر وجهك وغض النظر عنهم .
وبما أن إدارة الوجه وصرفه عن الشئ قد تعطي معنى عدم الاهتمام والنفرة
وما شابه ذلك بالإضافة لمعنى العفو والصفح ، فقد ذكرت الآية المتقدمة كلمة
هامش
1 - يقول الفيروزآبادي في القاموس ، ج 1 ، ص 242 : الصفح : الجانب ، ومن الجبل مضطجعه ، ومنك جنبك ، ومن الوجه
والسيف عرضه .