شئ من تلك الغيوب ويوقفهم على بعض الأسرار بحكم احتياج القيادة الرسالية
إلى ذلك ، وتبقى الأعمال - مع ذلك كله - هي الملاك الوحيد والمعيار الخالد
والمسار الأبدي لمعرفة الأشخاص وتمييزهم وتصنيفهم .
ومن هذه العبارة يستفاد أن الأنبياء - بحسب ذواتهم - لا يعرفون شيئا من
الغيب ، كما ويستفاد منها أن ما يعلمونه منه إنما هو بتعليم الله لهم وإطلاعهم على
شئ من الغيوب ، وعلى هذا الأساس يكون الأنبياء ممن يطلعون على الغيب ،
كما أن مقدار علمهم بالغيب يتوقف على المشيئة الإلهية .
ومن الواضح والمعلوم أن المراد من المشيئة الإلهية في هذه الآية - كغيرها
من الآيات - هو " الإرادة المقرونة بالحكمة " أي أن الله سبحانه يطلع على الغيب
كل من يراه صالحا لذلك ، وتقتضي حكمته سبحانه ذلك .
ثم أنه تعالى يذكرهم - في ختام الآية - بأن عليهم - وهو الآن في بوتقة
الحياة ، بوتقة الامتحان الكبير ، بوتقة التمييز بين الصالح والطالح ، والطيب
والخبيث ، والمؤمن والمنافق - عليهم أن يجتهدوا لينجحوا في هذا الامتحان
ويخرجوا مرفوعي الرؤوس من هذا الاختبار العظيم ، إذ يقول : فآمنوا بالله
ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم .
ثم أن الملاحظة الملفتة للنظر والجديرة بالتأمل في هذه الآية التعبير عن
المؤمن بالطيب ، ومن المعلوم أن الطيب هو الباقي على أصل خلقته الذي لم تشبه
الشوائب ، ولم يدخل في حقيقة الغرائب . ولم تلوثه الكدورات ، فالماء الطاهر
الطيب ، والثوب الطيب الطاهر وما شابه ذلك هو الذي لم تلوثه الكدورات ،
ويستفاد من هذا أن الإيمان هو فطرة الإنسان الأصيلة ، وهو جبلته الأولى .
* * *
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 20
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٠