هجومها كان مباغتا خاطفا بحيث استطاعت خلال لحظات أن تشق صفوف
العدو وتشن حملتها في قلبه ، وتشتت جمعه . وهذا نتيجة ما تتحلى به من سرعة
ويقظة واستعداد وشهامة وشجاعة .
أو إنها إشارة إلى ورود الحجاج من المشعر إلى قلب منى .
وقيل إن المقصود محاصرة الأعداء . وهذا يصح لو كان الفعل " فوسطن "
بتشديد السين ، والقراءة المشهورة ليست كذلك . فالصحيح هو المعنى الأول .
نستخلص مما سبق أن القسم في الآيات بهذه الخيول التي هي أولا تسرع إلى
ميدان الجهاد بنفس شديد ، ثم تزيد سرعتها حتى يتطاير الشرر من تحت حوافرها
فيشق عتمة الليل . . . وبعدها تقترب من منطقة العدو ، فتباغته ، وعند انبلاج عتمة
الليل تشن هجوما شديدا يثير الغبار في كل جانب ، ثم تتوغل إلى قلب العدو
وتشتت صفوفه .
القسم إذن - بهذه الخيول المقتدرة ! . . . بفرسانها الشجعان ! . . . بأنفاس مركب
المجاهدين ! . . . بشرارات النيران المتطايرة من تحت حوافرها ! . . . بذلك الهجوم
المباغت ! . . . بذرات الغبار المنتشرة في الفضاء ! . . . بدخولها قلب صفوف الأعداء
وتحقيق النصر الحاسم عليهم !
هذه التعابير - وإن لم ترد كلها صراحة في الآيات - فهي مجموعة كلها في
الدلالات الضمنية للكلام .
من هنا يتضح أن الجهاد له منزلة عظيمة حتى أن أنفاس خيل المجاهدين
استحقت أن يقسم بها . . . وهكذا الشرر المتطاير من حوافر هذه الخيول . . . والغبار
الذي تثيره في الجو . . . نعم حتى غبار ساحة الجهاد له قيمة وعظمة .
وقيل : أن المقصود بهذه الأقسام قد يكون النفوس التي تستطيع أن تنقل
كمالها إلى الآخرين ، وتقدح شرارة العلم بأفكارها ، وتهجم على أهوائها النفسية ،
وتثير الشوق الإلهي في نفسها ونفوس الآخرين ، وتستقر أخيرا في قلب سكنة
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 396
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٩٦